لم يعد خافيًا على أحد أن المؤسسات الصحفية القومية كانت ومازالت «مُستهدفة» من العديد من القوى السياسية والاجتماعية، منذ نشأتها بالقانون 156 لسنة 1960.
و«الاستهداف» يأخذ أكثر من صورة طبقًا لطبيعة المرحلة التى ينطلق فيها، فأحيانًا يتخذ شكل محاولة «الاستحواذ» عليها، وإذا فشلت الخطة يتمحور التكتيك، ونرى أنفسنا أمام «متحور» جديد يتمثل فى الدعوة لتصفيتها تحت مبررات كثيرة يرتدى أصحابها «ثياب الخبراء» فينطلقون فى أطروحاتهم من الحديث عن ديونها المتراكمة عبر 60 عامًا، مع تجاهل تام لجهود حقيقية مُخلصة تُبذل لاصلاح هياكلها المالية ومعالجة أخطاء تاريخية ليس للهيئة الوطنية للصحافة، ولا لقيادات المؤسسات الحالية أى ذنب فى وجودها.
الجدل الذى تشهده الأوساط الصحفية والاعلامية حاليًا انطلق على خلفية تصريحات أدلى بها أحد أعضاء اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصرى، بعد مناقشة تقريرها فى لجنة الثقافة الاعلام والثقافة بمجلس النواب.
وقد اتخذ حديثه مسارات عدة دارت حول:
خصخصة المؤسسات الصحفية بتحويلها إلى شركات مساهمة بهدف تغيير الهياكل والسياسات الإدارية والفنية.
دمج مؤسستى «روزاليوسف» و«دار الهلال» فى العديد من المؤسسات الكبرى مثل «الأهرام» و«أخبار اليوم» و«دار التحرير».
تطوير نماذج العمل، من الاعتماد على بيع الصحف الورقية إلى إنشاء مواقع إلكترونية ومنصات رقمية، و…و.. والتوسع فى الإعلانات الرقمية وتنظيم الفعاليات والمؤتمرات، (وكأنه جاب التايهة التى كانت غائبة عن الهيئة وقيادات المؤسسات !!!).
ومن أسف أن عضو اللجنة صاحب الاقتراح حدد فى توقعاته أن يتم تنفيذ ما قاله خلال فترة من 3 – 5 سنوات.
لا أعلم أى جرأة تلك التى امتلكها صاحب هذه الأفكار، ومن منحه التفويض ليتحدث بهذه الطريقة بما يوحى بأن ما يقوله يعبر عن رؤية متكاملة للجنة، ودون إدراك لخطورة كلماته على صناعة الصحافة وهى صناعة ضخمة وحساسة تتأثر بهذا الكلام المُرسل، خاصة أن صاحبه لم يقدم لنا تجربة إدارية يُشار لها خلال الفترة البسيطة التى تولى فيها إدارة مؤسسته.
ولا أنكر أننى تلقيت خلال الأيام الماضية تساؤلات كثيرة حول مدى صحة ما تردد، ولم يكن ممكنا أن أكتب أو أرد دون الرجوع إلى التقرير الأصلى الصادر عن اللجنة.
المهندس عبد الصادق الشوربجي- رئيس الهيئة الوطنية للصحافة
وفى هذا الصدد أوضح ما يلى:
أولًا: أن ما ذكره عضو اللجنة لا يعبر إلا عن أفكاره الشخصية فقط، ولا يمثل رأى اللجنة بكامل أعضائها البالغ عددهم 67 عضوًا، والتقرير تمت صياغته بطريقة محايدة تعتمد على رصد أفكار كل عضو بها منسوبة له، دون أن يتبنى توصيات نهائية.
ثانيًا: أن الحديث عن خصخصة المؤسسات القومية بتغيير شكل هياكلها الإدارية، إنما يؤكد أن صاحبه يفتقد (بالدال) ويفتقر (بالراء) لأى خبرة بألف باء قواعد إدارة المؤسسات الصحفية والإعلامية، كما أنه لا علاقة لحديثه بألف باء مواد الدستور.
فالمؤسسات الصحفية «مُحصنة» بنص دستورى، حيث تنص المادة 72 من الدستور المصرى الصادر سنة 2014 على «ملكية الدولة» لهذه المؤسسات، وأن تلتزم الدولة بضمان استقلالها بما يكفل حيادها وتعبيرها عن جميع الآراء والاتجاهات .. إلخ.
كما تنص المادة 212 من الدستور على أن تتولى الهيئة الوطنية للصحافة إدارة المؤسسات الصحفية «المملوكة للدولة».
إذن الوضع القانونى للمؤسسات الصحفية «مُحصن» دستوريًا، وأى محاولة لتغيير أو تعديل ذلك لا يمكن أن تتم إلا بتعديل الدستور ذاته.
ثالثًا: أؤكد أنه لا صحة مُطلقا لأى حديث يدور حول دمج مؤسستى «روزاليوسف» و«دار الهلال» فى أى مؤسسات أخرى. وأشهد بصفتى عضوًا فى الهيئة الوطنية للصحافة أن هذا الأمر لم يُطرح مطلقًا ـ ولو على سبيل التفكيرـ لا فى اجتماعات مجلس إدارة الهيئة، ولا أى اجتماعات أخرى.
وفى هذا الصدد أوضح أننى بالاضافة إلى عضويتى فى الهيئة فاننى عضو فى 3 جمعيات عمومية وهي: أخبار اليوم ودار الهلال والقومية للتوزيع. كما أننى أمين سر جمعيتين عموميتين لمؤسستين هما: «دار الهلال» و«القومية للتوزيع»، وأؤكد من خلال موقعى أن هذا الحديث عار تمامًا من الصحة، فالجمعية العمومية بتشكيلها الوارد فى قانون الهيئة الوطنية للصحافة رقم 179 لسنة 2018 هى السلطة العليا فى المؤسسة وتنعقد برئاسة رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، ويستحيل أن يُتخذ قرار مثل هذا دون عرضه عليها، وهو ما لم يحدث مُطلقًا.
رابعًا: إن صناعة الصحافة تواجه مشاكل تمويلية فى العالم كله، ومصر ليست استثناء من ذلك، حيث كان «نموذج الأعمال القديم» يعتمد على «التوزيع» و«الإعلانات» كمصادر رئيسية للدخل، واليوم ومع تراجع الحصة الإعلانية فى السوق، وتغير أذواق المستهلكين نحو المنتج الورقى المطبوع مع الزيادة الهائلة فى تكلفة إنتاجه، بات على الخبراء والمعنيين البحث عن «نموذج أعمال جديد» Business Model تتحول فيه صيغة العمل من «صحيفة تنفق على مؤسسة» إلى «مؤسسة تنفق على نفسها» عبر توسيع مصادر التمويل والبحث عن إيرادات أخرى تتيح للمؤسسة الاستمرار فى نشاطها الرئيسى، وهذا هو ما تعمل عليه الهيئة الوطنية للصحافة برئاسة المهندس عبدالصادق الشوربجى عبر خطة استثمارية طموح تستهدف استثمار كل ما تملكه المؤسسات من أصول وتعظيم قيمتها السوقية والربحية، حيث تنفذ الهيئة خطة إصلاح متكاملة، فلا توجد مؤسسة صحفية إلا ولها ذراع استثمارية، ونذكر من ذلك «جامعة الأهرام الكندية» التى تعد دعامة اقتصادية مهمة لمؤسسة الأهرام، وجامعة «نيو ايجيبت» التى تدخل الخدمة خلال شهر سبتمبر القادم بأربع كليات وستضع مؤسسة «أخبار اليوم» على بداية الطريق الصحيح. ثم «المدرسة الدولية» التى ستكون إضافة قوية لمؤسسة «دار التحرير» وتقام على أرض المؤسسة فى بلبيس بالشرقية، ومدرسة مماثلة لها تابعة لمؤسسة «روزاليوسف» وغير ذلك الكثير.
خامسًا: وعلى مستوى الإدارة وصلنا فى الجمعيات العمومية لمناقشة ميزانيات عام 2024 فى بعض المؤسسات، ولا تكتفى الهيئة الوطنية للصحافة بذلك، بل تحرص على عقد اجتماعات تقييم دورية للمؤسسات وهى بمثابة «جمعيات عمومية مصغرة» تستهدف تقييم الأداء وتقويمه أولا بأول.
المؤسسات الصحفية القومية تواجه تحديات شأنها شأن غيرها من الشركات والكيانات الاقتصادية، وليس فى هذا عيب، خاصة أن المشكلة واضحة، والتعامل معها يتم وفق رؤية علمية يجرى تنفيذها. وإنما العيب الحقيقى أن يأتى الحديث المُرسل على هذا النحو ممن لا يملك المعرفة ولا الخبرة ولا المعلومة، ولم يكتب طيلة حياته خبرًا صحفيًا واحدًا ليقدم نفسه اليوم وكأنه الخبير الأول فى إدارة المؤسسات الصحفية.