تأتى مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى قمة «أفريقيا – فرنسا» لعام 2026، والتى استضافتها العاصمة الكينية نيروبي، لتؤكد مجددًا أن البعد الإفريقى ليس مجرد دائرة فى السياسة الخارجية المصرية، بل هو ركيزة أساسية فى صيانة الأمن القومى وحماية المصالح الاستراتيجية للدولة. إن حضور مصر فى هذه القمة، التى تعقد لأول مرة فى دولة ناطقة بالإنجليزية، يبعث برسالة قوية مفادها أن القاهرة هى «جسر الثقة» بين القارة السمراء والشركاء الدوليين.
إن الرؤية التى طرحتها مصر فى هذه القمة تنطلق من إدراك عميق بضرورة «إرساء التوازن» فى العلاقات الدولية. فلم يعد مقبولاً أن تظل أفريقيا متلقية للمساعدات فقط، بل حان الوقت لتكون شريكاً كاملاً فى صياغة النظام المالى العالمي. ومن هنا كان تركيز الرئيس السيسى والقيادات الإفريقية على «إصلاح الهيكل المالى الدولي» فهو ضرورة ملحة، لضمان حصول دول القارة على تمويل مستدام يواجه تحديات الأمن والسلم، ويدفع عجلة التنمية فى قطاعات حيوية كالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأزرق، والصحة.
لعل التحول الأبرز فى هذه النسخة من القمة هو ما نادت به منظمات الأعمال الأفريقية والفرنسية فى بيان «أفريقيا إلى الأمام». إن الدعوة إلى الانتقال من «التدفقات المالية المتفرقة» إلى «الاستثمار المشترك» تمثل ثورة فى مفهوم التعاون. إن شبابنا فى مصر وفى كافة أنحاء القارة لا يتطلعون إلى التبعية أو المنح، بل يطمحون إلى اكتساب المهارات وبناء المشاريع. وهذا ما أكدت عليه الأولويات الأربع للبيان الختامي، بدءاً من إنشاء صناديق استثمارية مشتركة فى قطاعات الزراعة والطاقة، وصولاً إلى تعزيز «السيادة الصناعية» الإفريقية.
مصر، كقوة إقليمية رائدة، تدرك أن مفتاح الاستقرار هو «الإنتاج المحلى». لذا فإن دعمنا للمقترح الخاص بتسمية «إنتاج مشترك بين أفريقيا وفرنسا» سيسهم فى بناء سلاسل قيمة حقيقية تخلق فرص عمل مستدامة. كما أن تأكيد الرئيس على تعزيز التعاون الثنائى يعكس النموذج الذى تسعى مصر لتعميمه، وهو تعاون يقوم على المصلحة المشتركة والندية.
إننا أمام خارطة طريق واضحة تتطلب «إرادة سياسية» لتنفيذ مخرجات «إعلان لواندا» وما تلاه. إن مطالبة القطاع الخاص ببيئة أعمال مستقرة، وأنظمة ضريبية قابلة للتنبؤ، وتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية، هى مطالب تتبناها مصر بقوة.
إن مشاركة الرئيس السيسى فى نيروبى هى خطوة استراتيجية فى طريق «الجمهورية الجديدة» نحو عمقها الإفريقي. إن مصر لا تشارك لمجرد الحضور، بل لتقود حواراً يضمن أن يكون صوت القارة مسموعاً، وأن تتحول الشراكات الدولية من مجرد «تصريحات» إلى «واقع عملى» يلمسه المواطن الإفريقى فى معيشته وأمنه ومستقبل أبنائه. إنها مرحلة «الاستثمار المنتج» والارتقاء بالمهارات، وهى المعركة الحقيقية التى تخوضها مصر جنباً إلى جنب مع أشقائها الأفارقة.









