جلست كعادتى على المقهى الشهير فى «حدائق حلوان»، أراقب المشهد بعين عاشق للتفاصيل قبل أن أكون متابعا للمباراة. الزحام على أشده، تم تخصيص داخل المقهى لمتابعة مباراة الزمالك وخارج المقهى للأهلي.. أكياس السودانى تدور بين الأيدى أسرع من الكرة نفسها، وصوت المعالق وهى تخبط فى أكواب الشاى كأنه موسيقى شعبية تعيد الذكريات القديمة.
الكل جاء من أجل مباراة حسم الدوري، لكن الحقيقة أن ما كان يحدث حولى كان أهم من الذى يحدث داخل المستطيل الأخضر. على الطاولة التى تظهر فى الشارع بوضوح شاب يرتدى الأحمر يقف مع كل هجمة كأنه المدرب العام، وبجواره صديقه الذى يشد من ازره بثقة مبالغ فيها، وثالث لا يشجع أحدًا لكنه مستمتع بإشعال النقاش كل خمس دقائق.بين رواد المقهى داخله وخارجه . وقتها تذكرت جملة قديمة كان يقولها كبار السن: «الكرة ما تفرقش حبايب» لكن للأسف، البعض قرر أن يثبت العكس. تحولت الكرة عند فئة من الناس إلى معركة ثأر، وأصبح الانتماء للنادى عندهم أقرب إلى معركة لا تشجيع رياضي. لو فاز فريقه يتعامل وكأنه حرر القدس، ولو خسر يتحول إلى محقق يبحث عن مؤامرة كونية بدأت من الحكم الرابع وانتهت عند عامل غرف الملابس. زمان، كان المشجع بعد المباراة يرجع بيته عادى حتى لو خسر فريقه. اليوم، هناك من يدخل فى خصومات ويقطع علاقات ويكتب منشورات وكأنه المتحدث الإعلامى باسم النادي. والأغرب أن أغلب هؤلاء لم يدفعوا يوما ثمن تذكرة، ولم يساهموا فى هدف، لكنهم مستعدون لخسارة صديق عمر بسبب ضربة جزاء. أحد الجالسين على المقهى قال ضاحكا: «إحنا بقينا نكسب الدورى على الفيس أكتر من الملعب!» ضحك الجميع، لكن الجملة كانت حقيقية جدا. السوشيال ميديا حولت بعض المشجعين إلى قضاة ومحللين ومحققين وأحيانا «خبراء مؤامرات». أى قرار تحكيمى يتحول إلى قضية رأى عام، وأى هزيمة تصبح نهاية العالم، مع أن الكرة فى النهاية يوم لك ويوم عليك. المشكلة ليست فى التشجيع، بل فى التعصب. هناك فرق كبير بين شخص يحب ناديه، وشخص يكره الناس من أجل ناديه. الأول مشجع، والثانى يبحث عن معركة بأى طريقة. وأجمل ما فى المشهد على المقهى أن الناس البسيطة ما زالت تفهم المعنى الحقيقى لكرة القدم. العامل والموظف وصاحب الورشة والسائق، كلهم يجلسون على نفس الطاولة، يختلفون تسعين دقيقة، ثم يعودون أصدقاء كأن شيئا لم يكن. لا أحد يشكك فى أخلاق الآخر بسبب هجمة ضائعة، ولا أحد يقطع عيشه لأن فريقه خسر. أحد كبار السن بالمقهى قال وهو يقلب حبات السوداني: «يا ابني.. اللى يزعل من الكورة يبقى فاضي!» ضحكنا جميعا، لكنه لخص الحكاية كلها فى جملة واحدة. الدورى فى النهاية ليس ملك الإدارات ولا اللجان ولا البرامج الرياضية التى تعيش على الصراخ. الدورى الحقيقى ملك للجمهور.. للجمهور الذى يبحث عن لحظة فرح وسط ضغوط الحياة، وعن مساحة يهرب فيها من الأسعار والفواتير وهموم الأيام. هو ملك للأصدقاء الذين يجلسون على المقهى يتبادلون السخرية والمحبة معا، وملك للأطفال الذين يجرون فى الشوارع بقمصان أنديتهم وهم لا يعرفون شيئا عن التعصب والكراهية. ما أجمل أن ينتهى الماتش كما بدأ.. ضحكة، وسلام بالأيدي، وربما صورة جماعية أمام المقهى تجمع الأهلاوى والزملكاوى دون حساسيات وهمية. علينا أن نفهم أن الكرة التى تفسد العلاقات ليست رياضة، بل سوء فهم للرياضة. وأن الذى يشتم ويهين ويزرع الكراهية لا يدافع عن ناديه، بل يسيء له دون أن يشعر. الدورى سيذهب لفريق، والكأس سيرفعه لاعب، لكن الأهم أن تبقى الناس على محبتها. فالكرة خُلقت لتسعد القلوب.. لا لتقسّمها ولذلك، سيظل أجمل شعار يمكن أن نرفعه فى المدرجات والمقاهى والحياة كلها: بالحب نبني.









