في طابور طويل.. يقف معلم أفنى عمره بين السبورة والطلاب.. يشرح ويربي ويصنع أجيالاً كاملة.. ينتظر دوره ليحصل على 340 جنيهًا فقط كل أربعة أشهر.. هذا المشهد ليس استثناءً، بل هو واقع ربع سنوي يختصر حكاية المعلم المصري عندما يبلغ سن المعاش.
وراء هذا الرقم الصادم، تختبئ أزمة أعمق بكثير.. أزمة لا تمس نحو نصف مليون معلم على المعاش حاليًا فحسب، بل تلقي بظلالها على أكثر من مليون معلم ما زالوا في الخدمة، ينظرون إلى المستقبل بقلق مشروع.
الأرقام لا تكذب.. بل تكشف حجم الأزمة؛ وفقًا لآخر بيانات نقابة المهن التعليمية، تبلغ قيمة الدفعة الواحدة من المعاشات 172.4 مليون جنيه، وفي المقابل، لا تتناسب موارد الصندوق مع هذا العبء الضخم، نتيجة قيود قانونية تعود إلى القانون رقم 79 لسنة 1979، الذي مر عليه أكثر من 57 عامًا، دون أن يواكب التحولات الاقتصادية.
ووفق هذا القانون، يسدد المعلم 4.5 جنيه شهريًا، أي 54 جنيهًا سنويًا، يا إجمالي لا يتجاوز 1360 جنيهًا خلال 30 عامًا من العمل.. أرقام لم تعد توازي التزامات الصندوق في ظل الظروف الراهنة.
اليوم، يضم الصندوق نحو نصف مليون مستفيد، منهم 120 ألفًا من الورثة.. ومع بلوغ نحو 60 ألف معلم سنويًا سن التقاعد، تتحول الأزمة إلى ما يشبه “قنبلة موقوتة”.
رسالة أمان لمن صنعوا عقول هذا الوطن
وخلال أكثر من 12 عامًا، بذلت نقابة المهن التعليمية، بقيادة خلف الزناتي نقيب المعلمين، جهودًا متواصلة للتحذير من خطورة الوضع، عبر لقاءات ومذكرات ومناقشات مع لجان التعليم في مجلس النواب، مؤكدة أن الصندوق يسير في طريق الانهيار.
المفارقة أن الحل ليس غائبًا.. بل جاهز في الأدراج؛ فهناك 18 مادة قانونية جاهزة للتعديل، تمت مناقشتها بالفعل بحضور ممثلي وزارة التربية والتعليم، وتمثل “خارطة طريق” تشريعية كفيلة بإنقاذ الموقف دون أن تتحمل موازنة الدولة مليمًا واحدًا.
إن تحرك الحكومة والبرلمان لحل تلك الأزمة، هو استثمار في الاستقرار ورسالة أمان، وترجمة عملية لتوجيهات القيادة السياسية التي أكدت مرارًا أن المعلم هو حجر الأساس في بناء “الجمهورية الجديدة”.
إن إنقاذ صندوق معاشات المعلمين ضرورة للحفاظ على من صنعوا عقول هذا الوطن. ولا يستحقون هذا المصير..، والتدخل ليس خيارًا، بل ضرورة.








