تعد الوساطة المصرية فى الملفات الإقليمية الشائكة أحد الثوابت الجيوسياسية التى تمنح القاهرة ثقلًا استراتيجيًا لا غنى عنه. وفى ظل التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، برز الدور المصرى كقناة خلفية موثوقة تسعى لتقريب وجهات النظر ومنع الانفجار الشامل فى الشرق الأوسط. ولطالما كانت العلاقة بين واشنطن وطهران محكومة بمنطق «حافة الهاوية»، حيث تتأرجح بين الرغبة فى التوصل لاتفاق نووى شامل وبين التهديدات العسكرية المتبادلة. وفى وسط هذا الضجيج، تتحرك الدبلوماسية المصرية بخطوات محسوبة، مستغلة علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وانفتاحها التدريجى والمدروس على إيران، لتعزيز دورها كمركز ثقل إقليمى قادر على نزع فتيل الأزمات.
تنطلق القاهرة فى وساطتها بين الطرفين من مبدأ «الأمن القومى العربي»، حيث تدرك القيادة المصرية أن أى مواجهة مباشرة بين أمريكا وإيران ستكون لها تبعات كارثية على أمن البحر الأحمر، وقناة السويس، واستقرار دول الخليج. وتمتلك مصر ميزة تتمثل فى كونها حليفاً استراتيجياً لواشنطن، وفى الوقت ذاته، حافظت على قنوات اتصال أمنية ودبلوماسية مع طهران ولم تنقطع حتى فى أصعب الظروف. وتسعى مصر لتأمين الملاحة فى باب المندب، وهو أمر يتطلب تفاهمات مع الأطراف المدعومة من إيران، مما يجعل الوساطة المصرية حاجة ملحة لكل من واشنطن التى ترغب فى تأمين ممرات الطاقة، وإيران التى تبحث عن مخارج للأزمة الاقتصادية عبر التهدئة. وتعمل القاهرة على نقل رسائل طمأنة متبادلة تتعلق بالساحات المشتعلة مثل غزة واليمن ولبنان. فالمفاوضات الأمريكية الإيرانية ليست نووية فحسب، بل هى جيوسياسية بامتياز، وهنا تبرز خبرة الأجهزة المصرية فى إدارة الفصائل والفاعلين من غير الدول. ومع تزايد التوترات فى الممرات المائية، قادت مصر مشاورات غير معلنة تهدف إلى تحييد المصالح التجارية من الصراع الإيرانى الأمريكي، مؤكدة للجانب الإيرانى أن الإضرار بالملاحة يمس الأمن القومى المصرى بشكل مباشر. كما تعمل الدبلوماسية المصرية على صياغة مقترحات تقضى بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية أو المعاملات التجارية لبعض الدول المتضررة، مقابل التزام إيران بتهدئة وكلائها فى المنطقة. وقد شهدت الفترة الأخيرة ذوبانا للجليد فى العلاقات الثنائية بين القاهرة وطهران، تجلى فى لقاءات على مستوى وزراء الخارجية ولقاءات قمة فى المحافل الدولية. هذا التقارب لم يكن غاية فى ذاته، بل كان وسيلة لتمكين مصر من ممارسة دور الوسيط المتوازن وواشنطن بدورها شجعت هذا التقارب المصرى الإيراني، لأنها ترى فى القاهرة طرفاً قادراً على صياغة «خطاب عقلاني» يتفهمه الإيرانيون، بعيداً عن لغة العقوبات والتهديدات التى اعتادتها الإدارات الأمريكية.
إن نجاح مصر فى تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران سيعيد ترسيخ مكانتها كلاعب لا يمكن تجاوزه فى المنطقة. كما أن هذا الدور يقلل من احتمالات الانزلاق إلى حرب إقليمية قد تفرض على مصر خيارات صعبة. وتبرز مصر كقوة إقليمية مستقلة تتبنى نهج الدبلوماسية المتعددة الأطراف، مما يجعل وساطتها بين أمريكا وإيران نموذجاً لما يمكن أن تفعله فى حفظ السلم والأمن الدوليين.
إن وجود مصر وراء كواليس المفاوضات الأمريكية الإيرانية ليس مجرد تحرك عابر، بل هو تعبير عن عبقرية المكان والدور. فالقاهرة تدرك أن استقرارها الداخلى وازدهارها الاقتصادى مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بهدوء العواصف الإقليمية.
بين مطرقة العقوبات الأمريكية وسندان الطموحات الإيرانية، تظل مصر هى صمام الأمان الذى يسعى لتحويل الصراع من ساحات المعارك إلى طاولات التفاوض، مؤكدة أن الحلول المستدامة لا تأتى إلا من خلال فهم عميق للتوازنات المعقدة فى منطقة لا تقبل القسمة على طرف واحد.









