أكد الدكتور مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري السابق، أن العالم في حاجة لأن يتحول من قانون القوة إلى قوة القانون، ومن شريعة الغاب إلى شرعية الأخلاق قبل فوات الأوان.
وقال في كلمته بمؤتمر “مستقبل الحضارة الإنسانية في زمن الذكاء الاصطناعي” بالجامعة الأورومتوسطية بمدينة فاس المغربية، والذي ينعقد بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي: “على العالم إذا أراد أن يعيش في سلام أن يصلح المؤسسات الدولية لتقوم بدورها في إحلال السلم، أو صياغة ميثاق دولي جديد يقوم على العدالة التامة وليس الانتقائية؛ فما لم يتحقق السلام الشامل والعادل للجميع فلن تقنع الخطب ولا المؤتمرات أحدًا بأن يرى الظلم عدلاً”.
وقال: إن ديننا دين السلام والحق والعدل والإنسانية في أسمى معانيها، مشيرًا إلى أن العيش المشترك يجب أن يُبنى على الحق والعدل والإنصاف والاحترام المتبادل وعدم ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
وأضاف: إن الذكاء الاصطناعي ضرورة العصر وواجبنا أن نحسن استخدامه، وأن نتحول من مستهلكين أو مستخدمين للمعرفة والتقنية إلى منتجين لها، مشيرًا إلى أن الحضارة الإنسانية الآن مهددة بمنطق القوة وشريعة الغاب ما لم يسعَ عقلاء العالم لإصلاح الخلل والعمل على إقامة ميزان العدل قبل فوات الأوان.
وقال إن ديننا الحنيف رسخ لأسس التعايش السلمي بين الناس جميعًا، فكرّم الإنسان على إطلاق إنسانيته؛ حيث يقول الحق سبحانه: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، وحرّم قتل النفس الإنسانية بلا استثناء، فقال سبحانه: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، وقدَّر نبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم) للنفس الإنسانية حرمتها، فلما مرت عليه جنازة يهودي وقف لها، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال (صلى الله عليه وسلم): “أليست نفسًا؟!”؛ فكل الدماء حرام، وكل الأعراض مصانة، وكل الأموال محفوظة، لا يحل للإنسان شيء من مال أخيه الإنسان إلا بحقه أو بطيب نفس منه. فالعيش المشترك مطلب ديني ووطني وإنساني، شريطة أن يكون تعايشًا حقيقيًا مبنيًا على الحق والعدل والمساواة والاحترام المتبادل.
وأكد أن العالم الإسلامي مطالب بمواكبة كل جوانب التطور العلمي والتقني والمعرفي؛ فقد تغير مفهوم الأمية من أمية القراءة والكتابة إلى الأمية الرقمية، ثم إلى أمية الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن التطور الأحدث للأمية صار أعم من ذلك، ليشمل أمية الثقافة وأمية إنتاج المعرفة، في عالم أصبح للمعلومة والأمن السيبراني والمعلوماتي وإنتاج المعرفة أثر بالغ فيه، وأصبحت الحروب المعلوماتية والاختراقات الاستخباراتية بمفهومها الحديث المتطور أحد أهم عوامل الحسم في الحروب الحديثة. ودورنا أن نحول هذه الأدوات وتلك الوسائل التكنولوجية إلى عوامل وئام لا وسائل هدم، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بامتلاك ناصيتها وسبر أغوارها والوقوف على دقائقها والإسهام في إنتاجها، مع تفكير علمي ناقد وبصير من خلال التحول في مناهجنا التعليمية من نطاق الحفظ والتلقين إلى فضاء الفهم والتحليل.
وحذر من الوقوف من تطور وسائل التواصل وإنتاج المعرفة موقف الرفض المطلق، ولا موقف المتفرج، ولا حتى المتلقي، إنما علينا أن نتعامل مع العصر بأدواته، نعمل على تعظيم إيجابياتها وتفادي مخاطرها وسلبياتها، في ضوء قيمنا الحضارية والثقافية والاجتماعية، وبما يحقق الخير لمجتمعاتنا وللإنسانية جمعاء؛ إذ لا يمكن أن ننعزل عن مواكبة أي تطور علمي بل الحرص على السبق فيه، فديننا كما أنه دين السلم فهو أيضًا دين العلم، مطلق العلم النافع في مختلف المجالات: سواء تلك العلوم الشرعية التي تأخذ بأيدينا إلى سبل الخير والنجاة في الدارين، أم تلك العلوم التي لا غنى عنها في شؤون حياتنا من البناء والعمران وصنع الحضارة.
وقال إنه لا صدام ولا تناقض بين العلم والدين شريطة أن نفهم ديننا فهمًا مقاصديًا صحيحًا ونأخذ بأسباب العلم النافع، ونراعي في كل أمورنا الضوابط الأخلاقية والإنسانية الراقية؛ ذلك أن الأمم التي لا تُبنى على القيم والأخلاق تحمل عوامل سقوطها في أصل بنائها وأسس قيامها، ومآلها إلى الانهيار والتلاشي لا محالة.









