يمكننا القول الآن أن القوة دون سواها هى التى تغلب فى العلاقات الدولية فى وقت يسعى الفاعلون السياسيون إلى رسم مناطق نفوذ، وهو ما لا يتوافق فى الغالب مع تحقيق الأمن والرخاء، قدر اتفاقه مع تحقيق الربح وغلبة طرف على طرف ما من شأنه أن يؤجج التوترات.
ربما يرى البعض، أن توازن القوى يحقق نوعا من التهدئة، وأن الواقعية فى العلاقات الدولية من شأنها حتما وجود الهيمنة، التى قد تنجح فى استقرار الأوضاع لفترة بضغط الأقوياء باعتبار أن الإقرار بمنطق القوة، يمنحها نوعا من الشرعية لكن فى رأيى أن التقدم الذى طال المجتمعات بفعل تكنولوجيا الاتصال وتوفر المعلومة غير طريقة التفكير التى كان يتم بها التعامل مع منطق القوة فى العلاقات الدولية وكذلك دفع المجتمع الدولى إلى التفكير فى طريقة أخرى لتوفر الاستقرار للمجتمعات غير القوة التى فى أغلب الأحوال غير عادلة.. المجتمع الدولى الآن ينظر إلى السلم كحالة، أومقتضى أخلاقي، ويطرح بدائل يتوجب التفكير فيها من شأنها تحقيق السلم وليس فرضه، والوقوف على الأسباب التى تفضى للحرب.
منطق القوة الذى فرضته المنظومة التى ورثها العالم بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد مناسبا فبجانب السلاح هناك صنوف جديدة ومبتكرة من القوة باتت تمتلكها الدول التى ربما لا تملك السلاح وهى نفسها القوة التى وضعت العالم أمام نفسه فى مكاشفة واضحة بين القوة الغاشمة القديمة وقوة المجتمعات ككل.. قوة البشر.. قوة التواصل.. قوة الواقع المر حين تنقله الشاشات.
ما نشهده الآن من حالة عدم قبول للحرب هنا وهناك، هو ترجمة حقيقية لتلك القوة من دون السلاح التقليدى وهو ما يهدد بتوسيع دائرة المواجهة، بين أدوات القوة القديمة والجديدة ودور كل منها فى وضع معادلات توازن القوى ورسم خرائط النفوذ ففكرة التعامل مع بعض الشعوب والمجتمعات كقطيع مثلما كان قبل الحرب العالمية الثانية لم تعد تصلح فضلا عن عيوب المنظومة متعددة الأطراف السارية، مما عرضها لاهتزازات جعلتها تتآكل حتى أصبحت غير فعالة وغير ملزمة فضلا عن كونها غير ديمقراطية، أى لا تشرك غالبية المجتمع الدولى فى آليات صنع القرار، وغير فعالة، لأن قراراتها غير ملزمة.
قوة المجتمعات التى استمدت من قوة الاتصال دحضت الاعتقاد القديم بأن الكلمات تعجز أمام القوة المادية، وأثبتت أن المنظومة متعددة الأطراف، ليست مجرد بناء ذهنى، بل باتت واقعا يعكس نظرة الأفراد لمفهوم القوة وينعكس على حياة المواطنين فى العالم وأكدت أن السكوت عن جنوح القوة، هو ما يضفى الشرعية على الهيمنة والتسلط.
بعد أن غمرت الحروب العالم ونقل الإعلام ما بها من خطايا تكشفت سيئات المنظومة السائدة منذ الحرب العالمية الثانية وكيف أن القوة التى تحكم و تفرض معادلاتها لم تعد تصلح باتت الضرورة ملحة لإعادة التفكير فى المبادئ التى يستند عليها المجتمع الدولى لبناء السلام وتصفير الحروب بعدما فشلت الأمم المتحدة عبر تاريخها فى هذه المهمة فواقع الحال يفيد أن دولا دائمة العضوية فى مجلس الأمن لم تتصرف من منطلق المسئولية الأخلاقية، وعطلت قرارات مجلس الأمن باستعمال حق النقض، بناء على اصطفاف أيديولوجي، ولم تسهم بذلك فى استتباب الأمن وتحقيق السلام، وعمدت إلى التغطية على انتهاكات واضحة، أو كرست حالة اللاعقاب بالنسبة لدول معينة ترى نفسها فوق القانون الدولى ولا تعترف به من الأساس وفى استعمال الولايات المتحدة حق الفيتو دفاعا عن إسرائيل منذ تأسست المنظمة الدولية حتى الآن أكبر دليل على ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين باتت قواعد القانون الدولى تطبق فى حالات، ويتم التغاضى عنها فى حالات أخري، بناء على موازين القوي، والتحالفات والمصالح والآن بعد أن صار العالم كله يرى حتى المناقشات الجانبية فى جلسات مجلس الأمن أصبح الإيمان بهذه المنظومة منعدماً بعدما اختزلت المؤسسات الأممية فى وظيفة منبرية؛ الكل يشجب و يدين ولا يحدث إلا ما يريده الأعضاء الدائمون فى مجلس الأمن وفق مصالحهم ومصالح رعاياهم.
أستطيع القول الآن إن الحروب فى عصر السموات المفتوحة فضحت المنظومة الدولية وجعلت التفكير فى إعادة ترسيخ قواعد جديدة للعدالة أمر ضرورى ونسف المؤسسات القديمة بقيمها النفعية البالية إذ لا يكفى إجراء إصلاحات شكلية، وإنما بنيوية وعاجلة.









