تمثل المضائق البحرية أحد أبرز مفاتيح السيطرة على حركة التجارة العالمية، إذ تتحكم فى مرور السلع والطاقة بين القارات، وتمنح الدول المطلة عليها نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا واسعًا. وبينما تبدو هذه الممرات اليوم خاضعة لقواعد القانون الدولي، فإن تاريخها يكشف أنها لم تكن يومًا مجانية، بل كانت عبر قرون طويلة تخضع لنظم من الرسوم والأذونات التى فرضتها القوى المسيطرة على ضفتيها.
يُعد مضيق الدردنيل من أقدم النماذج على ذلك، حيث ارتبط تاريخ المرور فيه بالإمبراطورية العثمانية التى اعتبرت البحر الأسود شبه «بحيرة داخلية» خاضعة لنفوذها. وفى أواخر القرن الثامن عشر، كانت السفن التجارية مطالبة بالحصول على ما عُرف بـ»إذن السفينة»، وهو تصريح لا يُمنح إلا بعد دفع رسوم محددة. وتُظهر سجلات تلك الفترة أن سفينة صغيرة محملة بنحو 50 طنًا من القمح اضطرت لدفع ما يقارب 300 «آقجة»، وهو مبلغ يعادل اليوم نحو 15 ألف دولار، مقابل السماح لها بالعبور، فى نموذج مبكر لفرض رسوم على الممرات الطبيعية.
ولم يكن هذا النموذج حكرًا على الدولة العثمانية، إذ سبقتها تجارب أوروبية مشابهة، أبرزها ما قامت به الدنمارك عام 1429 عندما فرضت رسومًا على السفن العابرة عبر مضيق أوريسند، تراوحت بين 1٪ و5٪ من قيمة الحمولة، فيما عُرف بـ»رسوم السلامة». واستمر هذا النظام لقرون قبل أن يتم إلغاؤه عام 1857 تحت ضغط دولي، فى سابقة مبكرة لتدخل القوى الكبرى لإنهاء القيود على الملاحة.
ومع تطور القانون الدولي، شهدت المضائق التركية تحولاً مهمًا عقب توقيع اتفاقية مونترو 1936، التى نظمت المرور فى كل من مضيق البوسفور والدردنيل. وبموجب هذه الاتفاقية، مُنحت السفن التجارية حرية العبور فى زمن السلم دون رسوم مباشرة، لكن تركيا احتفظت بحق تحصيل مقابل خدمات محددة مثل الإرشاد البحري، والإنقاذ، والتفتيش الصحي. وتُقدّر عائدات هذه الخدمات بمئات الملايين سنويًا، مع عبور عشرات الآلاف من السفن، ما يعكس استمرار فكرة «الرسوم غير المباشرة» رغم القيود القانونية على فرض رسوم عبور صريحة.
وفى المقابل، تمثل قناة السويس نموذجًا مختلفًا تمامًا، إذ تقع بالكامل داخل الأراضى المصرية، ما يمنح القاهرة حقًا سياديًا واضحًا فى فرض رسوم عبور منظمة. ومنذ افتتاحها عام 1869، أصبحت القناة أول ممر مائى صناعى تُفرض عليه رسوم وفق نظام دولى معلن، وتحوّلت إلى أحد أهم مصادر الدخل القومي. ومع تطور حركة التجارة العالمية، أصبحت هذه الرسوم أداة اقتصادية مرنة تستخدمها مصر عبر الحوافز والتخفيضات لجذب الخطوط الملاحية، دون أن تتعارض مع القوانين الدولية.
هذا التباين بين الممرات الطبيعية والصناعية يبرز بوضوح فى الجدل الدائر حاليًا حول مضيق هرمز، الذى يُعد أحد أهم شرايين الطاقة فى العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحرًا. فبينما لا تُفرض عليه رسوم عبور رسمية باعتباره ممرًا دوليًا طبيعيًا، عادت طهران لتطرح فكرة فرض رسوم قد تصل إلى مليونى دولار على السفن، فى خطوة أثارت جدلاً قانونيًا واسعًا.
وتستند إيران فى تبريرها إلى مقارنات مع ممرات أخرى مثل البوسفور وقناة السويس، معتبرة أن الدول التى تسيطر على هذه الممرات تجنى عوائد مالية من عبور السفن. غير أن خبراء القانون البحرى يرون أن هذه المقارنة تفتقر للدقة؛ فالبوسفور، رغم وقوعه داخل الأراضى التركية، يخضع لاتفاقية دولية لا تسمح بفرض رسوم عبور مباشرة، بل فقط رسوم خدمات، بينما تُعد قناة السويس ممرًا صناعيًا خاضعًا للسيادة الكاملة لمصر، ما يمنحها حق فرض رسوم بشكل قانوني.
وفى هذا السياق، يقول متخصصون إن فرض رسوم على مضيق طبيعى مثل هرمز يشكل سابقة خطيرة، ويفتح الباب أمام دول أخرى لاتخاذ خطوات مماثلة، بما يهدد استقرار نظام الملاحة العالمي. كما أن أى قيود أو تكاليف إضافية فى هذا المضيق لا تنعكس فقط على السفن العابرة، بل تمتد آثارها إلى أسعار الطاقة والتأمين والشحن عالميًا، ما يجعلها بمثابة «رسوم غير معلنة» حتى دون قرار رسمي.
وتعزز هذه المخاوف حقيقة أن السيطرة فى مضيق هرمز ليست مطلقة لدولة واحدة، إذ تتقاسم إيران وسلطنة عمان الإشراف على ضفتيه، ما يزيد من تعقيد الوضع القانونى مقارنة بممرات أخرى تسيطر عليها دولة واحدة بشكل كامل. كما أن الخلافات الدولية حول تفسير قوانين البحار، وعدم مصادقة بعض الدول على اتفاقياتها، يضيف مزيدًا من الغموض إلى مستقبل هذا الممر الحيوي.
تكشف تجربة المضائق البحرية، من الدردنيل إلى هرمز، عن مسار تاريخى انتقل من فرض الرسوم السيادية الصريحة إلى نظم قانونية معقدة تحكمها الاتفاقيات الدولية، قبل أن يعود الجدل مجددًا فى ظل التوترات الجيوسياسية. وبينما تظل قناة السويس النموذج الأوضح للرسوم المنظمة، تبقى المضائق الطبيعية، وفى مقدمتها هرمز، ساحة مفتوحة لصراع النفوذ، حيث قد يتحول التهديد أو التحكم فى المرور إلى أداة تعادل فى تأثيرها فرض أغلى رسوم عبور فى العالم.









