أسعد كثيرا حين أسمع عن المبادرات المتتالية التى تطلقها الدولة والمنصات الفنية الحكومية، إلى جانب الفنانين والإعلام، لدعم المواهب الفنية لدى أبنائنا وبناتنا فى المراحل العمرية المبكرة، سواء الأطفال أو المراهقين أو الشباب.
أتذكر اللقاء الذى جمعنى بالمدير الإقليمى لمنظمة اليونيسكو فى القاهرة عام 2017، حيث دار الحديث حول مرحلة المراهقة، والجهد الذى كنا نبذله لتسليط الضوء على أهمية هذه المرحلة الحرجة من عمر الإنسان؛ أهميتها للفرد وللوطن معا. فهى المرحلة الفارقة التى تتشكل فيها قدرات الإنسان وإمكاناته وتوجهاته، ويتحدد فيها مستقبله وطباعه وعاداته، وبالتالى مدى مساهمته كعنصر إيجابى داخل المجتمع، المراهق قادر على إحداث تأثير حقيقي، وحامل لأمل نهضة بلده والارتقاء بها. نعم، المراهقون هم اليوم والغد وما بعد الغد، هم الحاضر والمستقبل.. وقد وصفهم بان كى مون بأنهم «الطاقأعود إلى ذلك اللقاء، حين سألنى مدير اليونيسكو عن التحديات التى نواجهها فى تعزيز دور الدولة والمنظمات المحلية لتبنى سياسات وبرامج وأنشطة تلبى احتياجات هذه المرحلة العمرية. وهى مرحلة تتطلب فهما حقيقيا لطبيعة التغيرات الجسدية والذهنية والسلوكية التى تطرأ خلالها، والتعامل معها باعتبارها مرحلة مختلفة تماما عن الطفولة أو الشباب؛ فالمراهقون ليسوا أطفالا، كما أنهم لم يصبحوا بالغين بعد.
مرحلة المراهقة من سن 10 إلى 19 عامًا، يسبقها الطفولة وتليها مرحلة الشباب، ولكل مرحلة خصائصها المختلفة تماما. وهذا ما يجب أن نلتفت إليه جيدا إذا أردنا الاستثمار الحقيقى فى المستقبل.
لدينا فى مصر أكثر من 20 مليون مراهق، وهم أملنا لمستقبل أكثر إشراقا؛ فهم الحل وليسوا المشكلة. لكن من أبرز التحديات التى واجهتنا فى بداية عملنا لتعزيز صحة ونمو ورفاه المراهقين.. هو.. اسمهم! فكلمة «مراهق» لم تكن مستساغة لدى الكثيرين «من قيادات وإعلام وجمهور» إذ ارتبطت فى الأذهان بسلوكيات سلبية أو تصورات خاطئة.
هذا الرفض انعكس على غياب السياسات الداعمة، فلم تكن هناك أى جهة أو هيئة تتبنى احتياجات هذه الفئة الحيوية. وكان الإنسان يعامل كطفل حتى سن 18، ثم يتحول فجأة بين يوم وليله إلى بالغ، دون إدراك لخصوصية هذه المرحلة. وقد شكلت هذه النظرة السلبية العائق الأكبر أمام تطوير برامج وسياسات تعزز صحة ونمو ورفاه المراهقين.
وخلال النقاش، طرح السؤال الطبيعي: وماذا بعد؟
اقترحت ضرورة أن نركز على إبراز الجانب الإيجابى فى شخصية المراهق، وهو ما يمكن أن يتفهمه كل من يتعامل معه. فالمراهق إنسان مبدع، خلاق، مفكر، ومبتكر بطبيعته، يسعى دائما للتميز.
أكثر ما يشغل بال المراهق هو أن يقول: «أنا هنا»، أن يثبت وجوده ويترك أثره. فالذات تحتل مكانة مركزية لديه، ويعد التقدير والاعتراف من الآخرين من أهم الدوافع التى تحفزه لتقديم أفضل ما لديه. ما يسمعه من كلمات الإطراء.
ومن هنا جاءت فكرة تنظيم احتفالية قومية تحت عنوان «إبداع مراهق»، تتيح للمواهب الفنية من المراهقين عرض إبداعاتهم على مسرح دار الأوبرا المصرية.
وقد كان.
أُقيمت الاحتفالية الأولى عام 2017، بمشاركة 120 طالبا وطالبة من مختلف أنحاء الجمهورية. وقد قدموا نماذج مبهرة من الإبداع، واكتسبوا ثقة كبيرة فى أنفسهم، وتحسنت صورتهم الذاتية، وتعلموا مهارات حياتية مهمة من خلال العمل الجماعي. كما انعكس ذلك إيجابيا على أدائهم الدراسي، وهو ما تابعناه على مدار السنوات.
وكانت احتفالية «إبداع مراهق» فى دار الأوبرا عام 2017 بمثابة الشرارة التى ساهمت فى إطلاق مبادرة الدولة «المبدع الصغير»، وغيرها من المبادرات الفنية المتعددة التى تسلط الضوء على قدرات المراهقين فى مصر، سواء من وزارة الثقافة أو وزارة الشباب.
ونتطلع إلى انضمام وزارة التربية والتعليم، من خلال إدارات الموهوبين، إلى هذا الجهد الوطني. كما نرفع القبعة تقديرا لكل من دعم هذه التوجهات، ومنهم منى الشاذلى وإسعاد يونس، مع خالص تمنياتنا بالتوفيق للفنان المبدع سليم سحاب فى مبادرته القومية لإكتشاف ورعاية الطاقات الفنية المتميزة لأولادنا.
و«عمار يا مصر».









