كلمة تُكتب فى لحظة، قد تترك أثرًا يمتد طويلاً، لم يعد ما ننشره على وسائل التواصل مجرد «بوست»، بل أصبح مسئولية، بين خفة الظل والانزلاق إلى الإيذاء، يقف كل منا أمام اختبار بسيط، هل نُسعد غيرنا.. أم نجرحه ونحن نكتب؟
آخر التريندات كان شنطة عصام، بدأت كقصة غامضة عن شنطة مفقودة منسوبة لطفل يُدعى «عصام».
ناشدت الأم وزير التربية والتعليم ومحافظ المنيا ليحاولوا مساعدتها فى استعادة الشنطة.
تحولت القصة سريعًا إلى مادة للسخرية على الفيس، وأصبح الاسم نفسه «إفيه» متداولاً.
تريند «الولد ابن السائق» انطلق من منشور يحمل مفارقة اجتماعية حول طفل «اتضح» أنه ابن سائق فى سياق صادم أو ساخر.
اعتمد على إثارة عن «خطف الطفل» جذبت التفاعل وأثارت التعليقات.
ثم تحول إلى تعبير ساخر يُستخدم يوميًا، أحيانًا دون إدراك لما يحمله من دلالات.
قد تبدو هذه التريندات خفيفة الظل، لكنها تكشف كيف يمكن لأى فكرة، مهما كانت بسيطة، أن تتحول إلى موجة جماعية، المشكلة لا تكمن فى الضحك ذاته، بل فى المسافة بين الضحك والتجريح، وهى مسافة تضيق أحيانًا دون أن ننتبه.
هذا ما ظهر بوضوح فى واقعة الأب الذى نشر فيديو عائلياً بسيطاً له ولأطفاله خلال عيد الفطر، لحظة إنسانية خالصة، تحولت إلى ساحة مفتوحة للسخرية من ملامحهم بشكل قاسٍ، تعليقات ظنها أصحابها عابرة، لكنها تركت أثرًا نفسيًا حقيقيًا على أطفال وجدوا أنفسهم موضع تنمر، وأبٍ تحمّل ضغطًا لا يستهان به.
هنا تتجلى خطورة ما نعتبره «هزارًا» فالكلمة على الشاشة قد تكون بالنسبة لنا خفيفة، لكنها عند الطرف الآخر ثقيلة ومؤلمة، التنمر الإلكترونى ليس مجرد تعليقات، بل سلوك يؤثر على الثقة بالنفس، ويزيد من القلق، وقد يترك آثارًا طويلة المدي، خاصة لدى الأطفال والمراهقين.
فى دراسة صادرة عن منظمة الصحة العالمية فى مارس 2024، تبيّن أن نحو 15 ٪ من المراهقين تعرضوا للتنمر الإلكتروني، وأن نسبة ليست قليلة تمارس هذا السلوك أيضًا، وهى مؤشرات تعكس اتساع الظاهرة وتحولها إلى سلوك متكرر.
ولا يمكن إنكار أن للتريندات جانبًا إيجابيًا، فهى تُعبّر عن روح المجتمع، وتخلق حالة من التفاعل، وقد تُستخدم أحيانًا لنشر الوعي، لكن الفارق دائمًا فى كيفية الاستخدام، هل نضحك دون إيذاء؟ أم نُحول الضحك إلى وسيلة للانتقاص من الآخرين؟
المسئولية هنا فردية قبل أن تكون جماعية، كل تعليق نكتبه هو انعكاس لما نحمله من قيم، وقبل أن نشارك فى موجة سخرية، ربما نحتاج إلى لحظة تفكير، ماذا لو كنت أنا مكان هذا الشخص؟
الحاجة أصبحت واضحة لوجود إطار قانونى يواجه التنمر الإلكتروني، ليس لتقييد حرية التعبير، بل لحمايتها من التحول إلى أداة للإيذاء، فحرية الرأى لا تعنى أبدًا حرية الإساءة.
ما بين «شنطة عصام» و»الولد ابن السائق» و»واقعة الأسرة».. نتأكد أن التريند قد يبدأ ضحكة، لكنه قد ينتهى بجرح، وبين الاثنين، يقف ضمير كل مستخدم، لسنا مطالبين بأن نتوقف عن الضحك.. بل أن نتعلم كيف نضحك باحترام.









