تابعت وتابع الجميع خلال الأيام الماضية ما شهدته الساحة الإعلامية من حالة الزخم غير المسبوق حيث تصدرت زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى عناوين المواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعى باعتبارها خطوة تحمل قدرا كبيرا من الجرأة السياسية والحضور الدبلوماسى الفاعل. ومن وجهة نظرى ومن واقع خبراتى إن هذه الزيارة لم تكن مجرد تحرك تقليدى أو رسالة تضامن عابرة حيث يظهر ذلك جلياً من الزيارة فى توقيت بالغ الحساسية إلى مناطق تشتعل بالصواريخ والطائرات المسيرة، لتؤكد أن التحرك المصرى لا يعرف التردد حين يتعلق الأمر بالأمن الإقليمى «مسافة السكة». وأرى أن هذه الخطوة تعكس بوضوح أن مصر لاتكتفى بدور المتابع فقط لكنها تتحرك بثقة وثقل لاحتواء التصعيد وإيصال رسائل حاسمة تتجاوز المجاملة إلى التأثير الحقيقى، ومن منطلق مكانتها التاريخية ومسئوليتها السياسية تظل مصر رغم التحديات «الدولة الوحيدة القادرة على لعب دور الوسيط الجاد لإنهاء حرب عبثية طالت الدول الخليجية الشقيقة بالمنطقة ويدفع الجميع ثمنها الباهظ دون استثناء». ففى أوقات الاضطراب الكبرى عادة لا تقاس التحركات السياسية بظاهرها المعتاد الذى تحمله بين سطورها من دلالات من هذا المنظور، حيث يمكن قراءة جولة الرئيس عبدالفتاح السيسى الأخيرة إلى الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والمملكة العربية السعودية بوصفها تحركا يتجاوز منطق الزيارات التقليدية ليقترب من كونه تدخلاً سياسياً محسوباً فى لحظة تقترب فيها المنطقة من حافة إعادة تشكيل موازينها. التنقل بين أبوظبى والدوحة والمنامة وجدة لم يكن مجرد ترتيب بروتوكولى معتاد كعادة الزيارات ولكنه بدا أقرب إلى مسار متصل تراكمت فيه الرسائل وتكاملت، ففى كل محطة أعاد الخطاب المصرى تثبيت فكرة مركزية مفادها أن أمن الخليج ليس نطاقا جغرافيا منفصلا متجاوزاً الأمر ذلك إلى امتداد عضوى للأمن القومى المصرى بما يعنيه ذلك من التزامات سياسية واستراتيجية لا تحتمل التأويل، واللافت أن القاهرة فى هذا السياق لا تتحرك من موقع رد الفعل بل أن الحقيقة الأبرز هى من زاوية المبادرة، فالتاريخ السياسى المصرى الذى يمتد من اتفاقية كامب ديفيد إلى أدوار متعددة فى إدارة أزمات إقليمية معقدة يمنحها ثقل سياسى وقدرة على التحرك داخل مناطق التماس دون أن تتحول إلى طرف فى الصراع، فهذه المساحة الدقيقة التى تجمع بين القرب والتوازن هى ما يميز الدور المصرى ويمنحه قابلية التأثير. وعلى الرغم ما تواجهه الدولة من ضغوط اقتصادية داخلية فإن هذا لم ينعكس انكفاء على الذات بل على النقيض تماما بدا أن هناك إدراكا بأن الانسحاب من المشهد الإقليمى فى هذه اللحظة تحديداً قد يضاعف من كلفة الأزمات بدلا من احتوائها، فالتشابك بين الداخل والخارج لم يعد قابلا للفصل وأى اضطراب فى محيط الخليج ينعكس بشكل أو بآخر على بنية الاستقرار الأوسع فى المنطقة بأكملها. ففى هذا الإطار برزت مصر بوصفها الفاعل الأكثر قدرة على أداء دور الوسيط ليس فقط بحكم علاقاتها المتوازنة ولكن أيضا لأنها لا تتحرك بدافع مصلحة ضيقة أو اصطفاف مباشر، يمكن اعتبار الجولة الرئاسية محاولة لإعادة توجيه بوصلة الإقليم أو على الأقل إبطاء اندفاعها نحو سيناريوهات أكثر تعقيدا، فالدبلوماسية هنا تعمل بالتضاد لمنع استخدام القوة وكبديل وأداة لمنع استخدامها فى مسارات قد تخرج عن السيطرة. فى النهاية لا يبدو أن ما جرى كان مجرد تحرك عابر لكنه كان أقرب إلى وضع أساس لمسار سياسى قد يتبلور فى المرحلة المقبلة، فى حين قد تبقى النتائج مرهونة بتفاعلات أطراف متعددة.









