فى زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، يبرز اسم المستشار الدكتور عادل ماجد كأحد أبرز الخبراء الدوليين الذين انشغلوا مبكرًا بفهم التداخل المعقد بين القانون والتكنولوجيا، خاصة فى مجال الذكاء الاصطناعي. ولم يكن انخراطه فى العمل القضائى عائقًا أمام عطائه العلمي، بل شكّل دافعًا لتعميق رؤيته البحثية، حيث جمع بين الصرامة القانونية والانفتاح المعرفي، ليقدم إسهامات وطنية رصينة تستشرف مستقبل التحديات العالمية. ويُعد المستشار عادل ماجد من القلائل الذين استطاعوا الربط بين التحولات التقنية المتسارعة ومفاهيم الأمن القومى والسيادة الرقمية، فى طرح علمى يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة المرحلة، حسبما جاء فى دراسة حديثة بعنوان «الذكاء الاصطناعى وإعادة تشكيل الوعى فى عصر الحروب الإدراكية»، نشرها مؤخرا مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، ضمن سلسلة «بقلم خبير» ذائعة الصيت. حيث يؤكد المستشار عادل ماجد فى دراسته أن الصراع فى العالم المعاصر لم يعد حبيس ميادين القتال التقليدية، بل انتقل إلى مستوى أكثر خفاءً وتعقيدًا: ميدان الوعى الإنساني، فمع تنامى قدرات الذكاء الاصطناعي، لم تعد السيطرة تُمارس فقط عبر القوة، بل عبر التأثير فى الإدراك.
وبالتالي، فإن التحدى العالمى حسب الدراسة اليوم لا يكمن فقط فى امتلاك التكنولوجيا، بل فى كيفية توظيفها. فالدول لم تعد تواجه خصومًا تقليديين بقدر ما تواجه بيئات رقمية معقدة، تُنتج وتُعيد إنتاج المعلومات بشكل مستمر، وتُغذى التحيزات، وتخلق واقعًا إدراكيًا موازياً قد يكون أكثر تأثيرًا من الواقع نفسه، بحسبان أن التأثير على الوعى لا يتم بشكل مباشر عبر إقناع العقل، بل من خلال بوابة الوجدان. إذ تُستخدم تقنيات تحليل البيانات الضخمة لفهم الأنماط النفسية، ثم توجيه المحتوى بما يعزز الانفعالات، ويعيد تشكيل الإدراك تدريجيًا. ومع التكرار، تتحول هذه الرسائل إلى «حقائق» فى نظر المتلقي، فيما يُعرف بتأثير «الحقيقة الوهمية». ولا تقف هذه التحديات عند حدود الأفراد، بل تمتد إلى تهديد التماسك المجتمعي، وإضعاف الثقة فى المؤسسات، وزعزعة الاستقرار السياسي. وهو ما يجعل من الأمن المعرفى جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومى فى العصر الحديث.
إن العالم يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من الصراع، حيث لم يعد السؤال: من يملك القوة؟ بل: من يملك القدرة على تشكيل الوعي؟ وفى هذا السياق، تصبح حماية العقل الإنسانى مسؤولية مشتركة، تتطلب تكاتف الجهود بين الدولة والمجتمع، وبين التكنولوجيا والقيم. وبالتالى تأتى هذه الدراسة الرائدة امتدادًا لرؤية القيادة السياسية الرشيدة نحو تحصين وعى النشء من مخاطر الفضاء الرقمي، وبناء الوعى المجتمعى وفق هوية وطنية متجذرة، بما يعزز من أهداف المبادرة الرئاسية «بداية جديدة لبناء الإنسان المصري». وفى النهاية، تخلص الدراسة إلى أن تحصين وعى الإنسان المصرى وبناء حصانة معرفية لدى النشء لم تعد رفاهية، بل ضرورة وجودية، لضمان بقاء الإنسان فاعلًا حرًا فى عالم تحكمه الخوارزميات.









