فى لحظات الاضطراب الكبرى، حين يبدو العالم كأنه يفقد بوصلته، يعود الإنسان إلى أقدم أفكاره: انتظار الخلاص. تتجدد الأسئلة القديمة بصيغ حديثة؛ المهدى المنتظر، والمسيح المخلّص، ليسا فقط رمزين دينيين، بل تحوّلا فى الوعى الجمعى إلى استعارة عميقة عن عجز الواقع. حين تضيق السياسة وتفشل المؤسسات، يهرب الأمل إلى السماء.
>>>
لكن ما يحدث اليوم يبدو أكثر تعقيدًا من مجرد انتظار. فبدل أن يبقى الدين فى مجاله الروحى، تسلّل إلى قلب السياسة، لا كقيمة أخلاقية، بل كأداة سلطة. هنا لا نتحدث عن إيمان الناس، بل عن توظيفه. رجال دين فاسدون، أو على الأقل مسيّسون، صاروا جزءًا من منظومة الحكم، يباركون قرارات، ويشرعنون صراعات، ويمنحون الغطاء المقدّس لمصالح دنيوية بحتة.
>>>
فى هذا السياق، تم تهميش القواعد السياسية التقليدية: التوازنات، المصالح المشتركة، والدبلوماسية العقلانية. العلاقات الدولية التى كانت تُدار بلغة المصالح، باتت
تُغلف بخطاب عقائدي. لم تعد الحرب مجرد صراع على نفوذ أو موارد، بل تُقدَّم كمعركة حق وباطل، إيمان وكفر، وعد إلهى أو تهديد وجودى.
>>>
حين نسمع تصريحات دينية على لسان سياسيين كبار -سواء من ترامب الذى استدعى خطابًا مسيحيًا محافظًا، أو نتنياهو الذى يوظف الرمزية التوراتية، أو الملالى الذين يصيغون السياسة بلغة عقائدية شيعية- ندرك أن الدين لم يعد مجرد خلفية ثقافية، بل أصبح جزءًا من خطاب القوة. كل طرف يستدعى – سرديته المقدسة- ليبرر أفعاله، ويحصّنها ضد النقد.
>>>
لكن هل هذه فعلًا حروب دينية؟
>>>
الجواب ليس بسيطًا. فى الظاهر، نعم: اللغة دينية، الرموز دينية، والتعبئة جماهيرية تقوم على الإيمان. لكن فى العمق، كثير من هذه الصراعات لا تختلف عن حروب التاريخ التقليدية: صراع على النفوذ، الموارد، الأمن، والسيطرة. الدين هنا يعمل كوقود، لا كمحرّك أصلى. يُستخدم لتعبئة الجماهير، وإضفاء الشرعية، وتبسيط الصراع إلى ثنائيات حادة يسهل تسويقها.
>>>
الخطير فى هذا التحول هو أنه يغيّب العقل. حين يتحول الخطاب السياسى إلى خطاب دينى، يصبح النقاش صعبًا، بل مستحيلًا أحيانًا. لأنك لا تجادل مصلحة، بل «عقيدة» ولا تعارض قرارًا، بل «قدرًا» وهنا يفقد الإنسان قدرته على التمييز، ويتحول الصراع من قابل للحل إلى صراع صفري.
>>>
وفى ظل هذا المشهد، يصبح العالم كله هو الضحية. ليس فقط من يموت فى الحروب، بل أيضًا من يعيش تحت تأثيرها: مجتمعات منقسمة، عقول مشحونة، وأجيال تربّت على أن الآخر ليس خصمًا، بل تهديد وجودى.
>>>
ربما لا تكون هذه حروبًا دينية خالصة، لكنها بالتأكيد حروب ترتدى ثوب الدين. والخطر ليس فى الدين ذاته، بل فى من يستخدمه كأداة. وبين انتظار المهدى أو المسيح، وبين واقع يزداد تعقيدًا، يبقى السؤال الحقيقى: هل ننتظر الخلاص، أم نحاول استعادة العقل قبل فوات الأوان؟









