كلنا معرضون أن نغلط.. لكن أخطر ما يصيب الانسان أن يكرر الخطأ ويعتاد عليه فلا يعتبره خطأ. الغلط هو كل ما يكون عيبا أو حراما؛ العيب هو ما يخالف القيم والاصول، أما الحرام فهو ما يخالف الشرائع السماوية بنص واضح لما فيه من فساد أو ظلم أو اعتداء على حقوق الآخرين. وكل ذلك يثير فى النفس السوية شعورا بعدم الارتياح، وهو أمر مرفوض فى المجتمعات المتحضرة التى لا تخضع للاهواء ولا تتبدل مبادئها بتبدل الظروف.
العيب والحرام ليست مسارات منفصلة، فبينهما منطقة تماس خطرة يبدأ عندها الانزلاق الاخلاقي. فمن يستخف بالعيب يسهل عليه لاحقا تجاوز الحرام، وقد يرتكب ما يخالف القانون، لأن كسر الحواجز أيا كان مصدرها يضعف الضمير ويعود النفس على التجاوز. أنها سلسلة متصلة من الانحدار الاخلاقي.
وغالباً ما يبدأ هذا الخلل بالكذب، ذلك الباب الصغير الذى يفتح أبوابا أكبر.
الكذب عيب لأنه يهدم الثقة بين الناس، ويشوه العلاقات، ويفسد المعاملات. وهو فى الوقت ذاته حرام، لأنه نقيض الصدق الذى قامت عليه الشرائع وجعل أساسا للاستقامة. والكذب لا يأتى وحيداً، بل يجر خلفه مبررات وأعذارا حتى يتحول من ذلة عابرة إلى منهج، ومن تصرف طارئ إلى اسلوب حياة، ثم يظهر الغش حين يلبس الكذب ثوب الفعل.
الكذب والغش عيب وحرام معا؛ عيب لأنهما خيانة للأمانة واستخفاف بحقوق الآخرين، وحرام بنص قاطع فى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا» والمؤلم أن الكذب والغش اصبحا احيانا يقدمان تحت لافتات زائفة مثل شطارة أو فهلوة، وكأن التحايل مهارة والخداع ذكاء.
نتذكر هنا المجتمع الريفى فى مصر فى زمن قريب مضي؛ مجتمع يشترى بكلمة ويبيع بكلمة، بلا عقود ولا تعقيدات. لم يكن فى قريتنا، نشا مركز نبروه، أى محام ، لأنه لم تكن هناك حاجة له. وكان من يكذب يلفظ اجتماعيا، فلا بيع ولا شراء، ولا صداقة ولا مصاهرة. كانت المقاطعة حكما اخلاقيا رادعا يحمى القيم دون محاكم.
أما اليوم فقد تبدلت الأحوال، وكانت البداية حين تمدنت القري، وامتد ذلك إلى بعض المجتمعات التى كانت تعرف بصلابة اعرافها. وأصبح الكذب والغش ظاهرة اجتماعية مزعجة تضعف الثقة وتزعزع الأمان، فلا استقرار فى مجتمع لا يطمئن أفراده إلى صدق بعضهم البعض.
والغش حين يتعلق بالغذاء أو الشراب يكون جريمة خطيرة، لأنه يتعلق بحياة الناس وصحتهم. وقد شاع الغش حالياً بدرجة مؤلمة، وأصبحنا نتشكك فى كل ما نأكل وما نشرب. وليت القانون يتعامل مع الغش فى الطعام والشراب بكثير من الحسم، وباعتباره جريمة تهدد الحياة لا مجرد مخالفة تجارية، فآثاره قد تكون مؤذية، وقد تكون قاتلة بالفعل.
وإذا كان الكذب والغش يفسدان حياة الافراد، فإن الكذب والغش السياسى يفسد حياة الشعوب.









