البحث عن الملاذات الآمنة وقت الصراعات
مصر وجهة آمنة للاستثمار.. والموازنة بين السيولة
والأصول المادية إستراتيجية ذكية للتحوط
تشهد المنطقة حالياً حالة من التوتر العسكرى والاقتصادى والجيوسياسى غير المسبوق نتيجة الحرب بين أمريكا- إسرائيلة وإيران، والتى انعكست بشكل مباشر على أسواق وسلاسل امدادات الطاقة والغذاء وأسواق المال العالمية، محدثة ركوداً تضخميا وتأثيرات واسعة النطاق على الاقتصادات الإقليمية والعالمية. فى هذا المناخ المتأزم، يبحث المستثمرون عن ملاذات آمنة تحمى مدخراتهم من مخاطر التضخم وتقلبات الأسواق، مع إعادة تقييم الخيارات الاستثمارية التقليدية.
وسط هذه الاضطرابات والتوترات العالمية، تبرز مصر كوجهة مستقرة نسبياً للاستثمار، لما تتمتع به من بيئة آمنة مقارنة بمناطق النزاع المحيطة، وفرص حقيقية فى قطاعات الاقتصاد المختلفة مثل العقارات والسياحة والصناعات التحويلية والزراعة، مما يجعلها منصة استراتيجية لجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز الاقتصاد المحلى.
خبراء الاقتصاد يرون أن الحرب أدت أيضاً إلى زيادة حالة عدم اليقين فى الأسواق المالية العالمية، مما دفع المستثمرين إلى البحث عن ملاذات آمنة مثل الذهب والمعادن النفيسة. وشددوا على أن تنويع المحافظ الاستثمارية بين أصول مادية وسيولة نقدية من أهم الأساليب لحماية المدخرات من تقلبات الأسواق والركود التضخمى، مع ضرورة دراسة طبيعة كل استثمار وفق المخاطر المحتملة والأفق الزمنى المتوقع للعوائد.
الخبراء أشاروا إلى أن مصر تمثل فرصة استثنائية، فى هذا الظرف الإقليمى الصعب نظراً لما تتمتع به من استقرار نسبى مقارنة بالدول المحيطة بمناطق النزاع، بالإضافة إلى الطلب المتزايد على العقارات نتيجة استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين، مما يعزز من فرص تحقيق عوائد مستمرة للمستثمرين.
كما أكدوا على أهمية تعزيز الإنتاج المحلى، وخاصة فى الزراعة والصناعات التحويلية، لتلبية الاحتياجات الداخلية ومواجهة أى اضطرابات محتملة فى سلاسل الإمداد، مع التأكيد على أن التخطيط المالى الذكى واختيار الاستثمارات الآمنة هو السبيل الأمثل للحفاظ على القيمة والنمو فى ظل هذه الظروف.
الدكتور عبدالنبى عبدالمطلب خبير الاقتصاد الدولى يرى أن المعادن النفيسة، وعلى رأسها الذهب والفضة، تمثل الخيار الأول للمستثمرين لحماية مدخراتهم، نظراً لقدرتها على الاحتفاظ بالقيمة حتى فى أوقات الأزمات. كما أن العقارات تشكل كذلك ملاذاً آمناً، شرط أن تكون فى دول بعيدة عن مناطق النزاع، مؤكداً أن الاستثمار فى أماكن مثل دول أخرى قد يحمل مخاطر كبيرة نتيجة احتمالات تعرضها للصراعات.
لكن مصر تُعد من الدول التى يمكن أن توفر فرصاً استثمارية آمنة، خاصة فى قطاع العقارات والسياح والخدمات، لكونها تستقبل أعداداً كبيرة من اللاجئين من مناطق النزاع، مما يؤدى إلى زيادة الطلب على المساكن وارتفاع أسعار الإيجارات، وبالتالى فالاستثمار العقارى وسيلة جيدة للحفاظ على القيمة وتحقيق عوائد مستمرة.
شدد عبدالمطلب على أهمية ترشيد الاستهلاك، واستغلال الموارد المتاحة بكفاءة، مع الأخذ فى الاعتبار أن محاولة الاكتفاء الذاتى قد تؤثر على الدورة الاقتصادية العامة إذا أفرط فيها.
وأكد أن التوازن بين ترشيد الإنفاق ودعم الاقتصاد المحلى ضرورى للحفاظ على الاستقرار الاقتصادى.
أشار إلى أن الظروف الراهنة رغم صعوبتها قد تمثل فرصة لمصر لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة من الشركات التى تبحث عن بيئة آمنة ومستقرة بعيداً عن مناطق النزاع.
لكنه يلفت إلى أن مصر بحاجة إلى ترويج أوسع لمناخ الاستثمار، مع إبراز القطاعات الواعدة التى يمكن أن تجذب رؤوس الأموال الأجنبية، سواء فى الصناعات التحويلية أو الزراعة أو تطوير المشروعات القائمة والجديدة، مع التأكيد على دور مصر كواحدة من أكثر الدول أماناً فى المنطقة.
وشدد على أن التحولات الإقليمية الحالية تجعل من الضرورى للمستثمرين التفكير جيداً قبل الاستثمار فى مناطق النزاع، وأن مصر تمتلك فرصة لتعزيز موقعها كوجهة آمنة ومستقرة للاستثمارات طويلة الأجل.
الخبير المالى وأحد المستثمرين المهندس هانى سعيد، يذهب فى اتجاه آخر ويصف قطاع التصنيع بأنه أحد الركائز الاستراتيجية للاستثمار الآمن فى مصر. وانه مع احتمال تأثر سلاسل الإمداد العالمية والصعوبات فى استيراد بعض المواد بسبب الحرب الدائرة ومشاكل الشحن والتأمين، أصبح البحث عن بدائل محلية ضرورة استراتيجية، لافتًا إلى أن الصناعات المحلية التى تلبى احتياجات السوق الأساسية تضمن استمرارية الإنتاج وتحافظ على استقرار المصانع.
يرى سعيد أن الصناعات الغذائية، المستلزمات الطبية، والمنتجات الاستهلاكية هى الأكثر مرونة، ويمكنها الاستمرار فى تحقيق عوائد مستقرة حتى فى أوقات الأزمات الإقليمية والعالمية.
وأوضح أن الابتكار المحلى واستغلال الموارد المتاحة محليًا يمثل فرصة لتعويض أى نقص فى الواردات، ما يعزز القدرة التنافسية للصناعة المصرية على الصعيدين المحلى والإقليمى. ويؤكد أن هذه الاستراتيجية تساعد على توسيع التصدير وفتح أسواق جديدة، مما يحمى الاقتصاد الوطنى من الصدمات الخارجية.
وشدد على أن البحث عن بدائل محلية فى التصنيع، هى مفتاح مواجهة الأزمات الراهنة بنجاح. فمصر توفر بيئة داعمة للاستثمار الصناعى، وكل تحدٍ يمكن أن يتحول فى مصر إلى فرصة لإنتاج منتجات جديدة أو إيجاد حلول محلية تقلل الاعتماد على الاستيراد وتحافظ على استمرارية الأعمال.
ولفت إلى أن تقديم الحوافز للمستثمرين الصناعيين، وتسهيل إجراءات التصنيع، وضمان استقرار أسعار بعض المواد الأساسية، ودعم البنية التحتية للطاقة والمواصلات، الدولة المصرية تلعب دورًا محوريًا فى تعزيز بيئة الاستثمار الآمن خلال الأزمات الإقليمية يساهم فى تقليل المخاطر التى قد تواجه المستثمرين.
سعيد يقترح وجود برامج تشجيع البحث عن بدائل محلية للمواد المستوردة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوفير تمويلات ميسرة للقطاعات الإنتاجية. هذه المبادرات تجعل الاستثمار فى التصنيع المحلى أكثر جاذبية، وتدعم استمرار الأعمال حتى فى أوقات التوترات الإقليمية، مع الحفاظ على قدرة مصر على مواجهة أى صدمات خارجية محتملة.
دكتور باسم حشاد الخبير الاقتصادى والمستشار بالأمم المتحدة، يرى ان الاجابة على سؤال أين يستثمر الأفراد أموالهم فى ظل الاوضاع الراهنة؟ يتطلب أولا فهم وقراءة المشهد الحالى حتى يستطيع المستثمر اتخاذ ما يناسبه من قرارات تحفظ به القيمة أو تزيد من دخله.
الاقتصاد العالمى يعانى من ركود تضخمى كأحد تبعات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والمتوقع أن تأخذ الحرب أبعادا أكثر خطورة، وان تكون طويلة المدى، مما يستوجب معه الحيطة والحذر فيما يخص المستثمرين من حيث اختيار الوسيلة الأنسب لظروفهم والهدف من الاستثمار.
أشار إلى أن إعلان إيران استهداف الاستثمارات الأمريكية والإسرائيلية فى المنطقة، بعد الهجوم الذى تعرضت له بضرب البنية التحتية لها، يعد ضربة مباشرة لسلاسل الإمداد، ويجر المنطقة لأزمة اقتصادية طاحنة، تؤثر بشدة على الأمن الغذائى، كما أنه مع ارتفاع أسعار الطاقة والغاز سترتفع بشكل ملحوظ أسعار الغذاء والسلع الاساسية، وبالتالى على الجميع البحث فى مسارات بديلة لمواجهة هذه الاضطرابات من حيث تعزيز الإنتاج الزراعى، وتلبية الاحتياجات المحلية.
وأوضح أن الأوضاع الحالية تدفع الجميع نحو الملاذات الآمنة فى شكل الادخار والاستثمار فى الذهب والمعادن، مع ضرورة الاحتفاظ بالكاش قدر الإمكان أو الأصول القابلة للتسييل، مؤكدا أن من يستطيع التحوط بالذهب يضمن استمرار أوضاعه.
قال دكتور حسن الشقطى استاذ الاقتصاد وعميد كلية التجارة جامعة اسوان، إن البحث عن الأمان المالى وقت الأزمات أمر هام يشغل بال الجميع، لافتا إلى أن الأفراد تختلف احتياجاتهم المالية وفق عوامل عديدة منها عوامل متعلقة بطبيعة الفرد وظروفه الخاصة وهدفه من الاستثمار، وعوامل خارجية محيطة ومنها الأوضاع الحالية وما تفرضه من تحديات وفرص.
وأوضح أن الاقتصاد العالمى يمر بأزمة حقيقة تمتد اثارها على الجميع نتيجة الحرب الدائرة فى المنطقة، وما سبقها من توترات جيوسياسية ومالية، على مستوى العالم، مشيرا إلى أن هذا الاضطراب عصف بالأسواق وانخفضت معه قيمة لأسهم، الأمر الذى يفتح بابا من الفرص أمام الأفراد الذين يمتلكون محافظ استثمارية لشراء أسهم بأسعار منخفضة، لافتا إلى أن هذا يناسب شريحة من الأفراد تستهدف جنى الثمار على المدى المتوسط أو البعيد. وينصح الشقطى بالابتعاد عن المضاربة على الأسهم وعدم الانسياق لعمليات البيع العشوائية نتيجة الذعر أو الخوف عند انخفاض أسعار الأسهم.
وتابع أنه إذا كان الفرد أو المستثمر يمتلك مدخرات فى صورة ودائع بنكية عليه بالتخطيط المالى وفق ترتيب الأولويات خاصة وأن هناك ارتفاع حادًا فى الأسعار بالنسبة السلع الغذائية وكافة الخدمات والسلع الأخرى فتقل معه قيمة الكاش، وبالتالى عليه أن يضمن تلبية احتياجاتهم من ناحية فى صورة سيولة مالية للإنفاق ومن ناحية أخرى تعزيز مركزه المالى بتحويل جزء من السيولة لذهب، أو شراء شهادات استثمار بنكية بعائد مرتفع، متوقعا أن تشهد الأيام المقبلة طرح شهادات ذات عائد مرتفع نتيجة احتمالات رفع أسعار الفائدة.
وأكد الشقطى أن الأزمات الاقتصادية تأتى دائما بفرص استثمارية وتخلق وضعا جديدا فى السوق، مؤكدا أن الأصول ذات الأساس القوى تظل قادرة على التعافى بعد الانتهاء من الأزمات وعلى رأسها الذهب والفضة.
وأضاف انه لو وضعنا قائمة بأفضل الاستثمارات وقت الأزمات سيأتى الذهب والمعادن النفيسة فى مقدمتها باعتبارها الملاذ الأول الذى يحمى المستثمر من التضخم ويحفظ القيمة عند تقلب الأسواق حتى لو انخفض الذهب يظل محتفظاً بجاذبيته الاقتصادية والاستثمارية وأحد أهم الملاذات الآمنة، كما أنه فى ظل وجود أزمة حادة فى السلع ونقص بعضها يصبح الكاش ضرورة للحياة، يلى ذلك الاستثمار فى القطاعات الإنتاجية وخاصة الإنتاج الزراعى، والسلع الأساسية، ثم الاستثمار فى أسهم الشركات القوية، مع التأكيد على أهمية تنويع المحفظة الاستثمارية.









