«رحلت أمي»، كلمتان تشكلان عنوانا مؤلما يصلح لأن يتصدر صفحة من حياتك ربما تكون الأصعب على الإطلاق، عنوان بلغة الصحافة لا تختلف كتابته «بالبنط العريض» أو بأى «بنط» فتلك كلمتان عريضتان بطبعهما لا حاجة لهما لـ «البنط» فأيا ما تكتبان هما عريضتان ثقيلتان غامقتان وأيان تلمحان ستؤلمان وتوجعان حتما.
فى الليلة الثامنة والعشرين من شهر رمضان المبارك اختارت أمى الانسحاب ولا أقول الموت، فلم تبد أى مقدمات موت كتلك التى نعرفها، لم تمرض أو تعانى أعراضاً مقلقة تستوجب معها استدعاء الطبيب، كان يومها رمضانيا عاديا لا اختلاف فيه، وقبيل فجر تلك الليلة طلبت من أخى الأصغر أن يأت لها بكوب من الماء وبعض الشاى وقد كان لها ما طلبت، واستأذنها ليذهب إلى نومه وسألها هل ترغب فى أى شيء آخر قالت له لا، وماهى إلا دقائق وطلبت من زوجته أن تناديه وقالت لها قولى له تعالى لإن «أمك هاتموت»، هرع أخى من غرفته ليقول لها ما هذا المزاح الثقيل على آخر الليل يا أمي؟! وحين وصل إليها وجدها قد فارقت الحياة, لم تنتظر تلك الثوان ما بين غرفته وغرفتها, كأنها عند الرحيل كانت تعلن ولا تقترح هل ترحل سريعا أم تنتظر السلامات.
كانت أمى امرأة من زمن الحكايات والحكم والأمثال، لم تنل قدرا كافيا من التعليم، لكنها كانت تملك حكمة الدنيا، كانت متواصلة مع كل الناس وكل الطبقات والمستويات وكل الثقافات، بسيطة فى لغتها، عميقة فى معانيها وتراكيبها اللغوية المخلقة من البيئة والظروف، لديها نسخ منها فى كل الأماكن، لديها الحلول، تجيد التفاوض، تحب البناء، حياتها مُفعمة بالكفاح وقصص تُروى بفخر واعتزاز، لا تعرف الاستسلام، قوية صامدة، فى مواجهة الصعاب التى مرت فى حياتها.
فى مراسم الجنازة كان لكل شخص من جيرانها قصة، أمى طرف فيها, تتدخل بالنصح والإرشاد وفى أبسط الحالات تتابع بالسؤال والاطمئنان، جيرانها غير مستوعبين هذا الرحيل الأقرب إلى المغامرة غير المحسوبة من جانبنا وجانبهم نحن الأحياء الذين أوجعهم هذا الانسحاب المؤلم كفراق، لكنها حتما حسابات القدر، فلكل أجل كتاب ولكل قصة على حلاوتها وما بها من شجن نهاية ربما تكون غير متوقعة.
وأنا أودع أمى إلى مثواها الأخير فى نهار رمضان, وفى مراسم التشييع نحو المقابر، الخطى تتثاقل نحو التراب, كل الذكريات كانت تمر أمام عينى فى شريط متصل منذ بدأت أخزن فى صندوق الذكريات, كنت أبحث عن أمى فى كل مشهد من الطفولة للصبا للشباب للنضج, فى كل ركن هناك أمي, لكنها الآن ما عادت هناك.
عداد العمر يطل برأسه عابثا غاضبا، يقول لي: «لقد خلى منك ضامنك «، «إعمل حسابك العد من هنا ورايح سيختلف»، كنت أسمع دائما عن مقولة أن أمك لو على قيد الحياة فأنت لا تزال بعد صغيرا، أيا كان عمرك، فلطالما لديك أم فالعمر لطيف ومقبول، أما وقد ماتت أمك، فقد كبرت، الحسابات ستختلف، لا توجد مجاملات من الآن فصاعدا، فقد ماتت من كنا نراك صغيرا بجانبها، من كنت تختبئ فى عمرها وتقترض منه حيث شئت وهى الضامن الذى لا يبخل عليك، فى حضرة أمى كنت أشعر دوما أننى أملك أداة ضغط ليس على عداد العمر فحسب ولكن على الدنيا كلها, كنت أتفاوض مع مواقفى وكنت دائما أربح فى النهاية، الآن اختلف كل شيء.
نعم ليس هناك أدنى شك فى حقيقة أننا نحيا ونقوى بأمهاتنا، مهما حاولنا أن نبدو أقوياء بانفسنا، ومهما اعتقد الإنسان أنه قوى بعقله وقدراته وعلمه وخبراته وأنه يدير حياته على أفضل طريقة، فكل هذا لا يساوى شيئًا أمام لحظة طمأنينة توجدها الأم.
نصحنى صديقى وأنا فى طريقى لوداع أمى فى فجر ذلك اليوم المشهود أن ألقى على جثمانها نظرة أخيرة قبل أن تفارق للأبد، فقلت له قد لا أقوى على ذلك، فقال لى افعل حتى لا تندم لاحقا، تماسكت وفعلت وفى مشهد هو الأخير كشفت الغطاء عن وجهها وجدت وجها مبتسما مضيئا قبلت جبينها وقلت مع السلامة يا أمي.
تحملت كثيرا يا أمى وعاركت كثيرا فى هذه الحياة، لم يزرك المرض يوما، بيد أن الموت الذى مهما حاولنا الفرار منه أدركك، ليكتب النهاية، ففى رحمة الله يا أمي، عليك السلام.









