حقق مسلسل «نرجس» نجاحا كبيرا وانتشارا واسعا بين جمهور الدراما، وبين جمهور السوشيال ميديا، وأيضا لسبب ثالث فى تقديرى هو أداء بطلته الممثلة الموهوبة ريهام عبد الغفور، التى يزداد تألقها مع كل عمل جديد لها، وتبدو قدراتها على تجسيد شخصيات مختلفة كما لو كانت تحديا دائما فى رحلتها مع فن التمثيل، وهنا مع شخصية نرجس تفاجئنا ريهام بشخصية مأخوذة من قصة حقيقية وفقا لما كتب على الشاشة فى بداية الحلقات، كما تفاجئنا الصورة كلها بما تتضمنه من تجسيد للحى الشعبى بكل مفرداته، وإضاءة رمادية، ومحلات تزحم الطريق، وبيوت تنتمى لعالم ضيق وشخصيات مختلفة جدا ومتصارعة برغم القرب العائلي، انه مجتمع ومكان استطاع المخرج الشاب سامح علاء مع الكاتب عمار صبرى ان يقدمه لنا ببراعة شديدة ليدفعنا الى انتظاره، وانتظار شخصياته بدءًا من نرجس، وعونى زوجها بأداء كبير من ممثل قدير هو حمزة العيلي، وشقيقتها هدى «بسنت ابوباشا» وزوجها الذى يبحث عن المال بكل الطرق «تامر نبيل »، وأبيها وامها «سماح انور ومجدى السباعى»، باختصار، بدت لنا نرجس فى البداية قديسة وهى تعانى من الطلاق بسبب اصابتها بالعقم وعدم الإنجاب، لتتزوج بعدها من كان الحبيب الأول برغم معارضة أمه وشقيقه جمال «عارفة عبد الرسول وأحمد عزمي» وحيث ادرك الاثنان أنها صفقة فاشلة لعونى، لكن نرجس التى ادركت موقفها الاجتماعى الصعب وسط مجتمع يرفض أمثالها، بل يعتبرهم عاراً، تقرر ان تتغلب على عاهتها، وان تسرق طفلا يكفيها معايرة الأهل، وتخطط لما اعتبرته مشروعها، الحصول على الطفل، وتحول جسمها الى ما تتحول اليه المرأة الحامل، حتى تأتى الفرصة، وتخطف طفلا من أمه بائعة خضار فى الشارع والتى تركته لتبحث عن شيء لدى جارتها، ،وتكمل نرجس المشروع الإنجابى بادعاء التعب والإرهاق قبل ان تعلن «بالاتفاق مع الزوج » نبأ الولادة، وتنزع البطن الزائفة، وتتلقى التهاني، وتبدأ رحلة جديدة مع من اصبح ابنها هى وعوني.وبعدها تكرر نرجس سرقة الأطفال، مرتين.
وقصة عزيزة السعداوى.. وهليفرق الزمن؟
لان المسلسل جاذب، وقضيته بالطبع مهمة، فقد فوجئت بصديق مصرى يعيش فى إيطاليا ولا تفوته مسلسلات رمضان برغم البعد، يرسل لى قصة الخاطفة صاحبة القصة الحقيقية عزيزة السعداوى محمد طه التى قامت بهذه العمليات عام 1984 بدءاً من الإسكندرية، ثم مدينة العريش، وحوار معها فى برنامج «انتباه» الذى كانت تقدمه الإعلامية منى عراقى على قناة المحور، وكيف استطاعت عزيزة ان تحول البرنامج الى ساحة للإنكار، بل وان تحرم المشاهد من معرفة الكثير عنها وسماع شهادة المقدم عمر جعفر الذى كان على رأس القوة التى قبضت عليها فى العريش ومعها ثلاثة أطفال «والتهمة أنها خاطفة لثلاثة وثلاثين طفلا »، ومع ذلك -وفقا للبرنامج – فقد اعترفت الخاطفة على مكان عائلتين للأطفال، وبقى طفل ثالت رفضت تماما الاعتراف بمكان عائلته، وليأتى برنامج آخر، بعد سنوات، هو «معكم» الذى تقدمه منى الشاذلى بضيف شاب، هو الابن الذى لم تعترف الخاطفة بأسرته، وليقدم الشاب «إسلام »عبر البرنامج شهادة موجعة للقلب والعقل معا فى عام 2015، بعد اكثر من ثلاثة عقود على خطفه من أسرته. وبعد سنوات من محاولة اجهزة الأمن الوصول للأهل، وبعد 22عاما قضاها مع أسرة الحاج جمعة الذى أوصلته الشكوك اليه قبل ان يتأكد انه ليس أبيه، فيذهب للحياة وحده من جديد، ويعمل حدادا، ويتزوج من ابنة رجل طيب وافق عليه برغم قصته المأساوية كونه شابا بلا عائلة ولا يعرف أمه أو أبيه، كلمات موجعة عبر بها عن حياة بلا تاريخ يعوضه عنها فقط طفلان أنجبهما، على أمل وأمنية ان يصل لمعرفة أهله الحقيقيون، وان يرى أمه الأصلية، وان يرتمى فى أحضانها، وبعدها ينتظر الموت كما قال وقتها فى البرنامج.
بين الدراما.. والمشاهد
أيهما النهاية الأفضل فى تقديرنا كمشاهدين ؟هل هى نهاية نرجس، أو الخاطفة التى حكم عليها بسنوات من السجن ؟، او حالة الابن الضائع والأب الباحث عن أهله الحقيقيين فى قصة قد تصلح لعمل درامى قادم بعد نرجس، والحقيقة ان الدراما تضيف الكثير الى قصص الواقع حين تعيد تقديمها وكأنها الوجه الآخر للحياة والواقع ومن خلال هذا تقوم بتقديم جرعة مكثفة من الوعى لجمهور كبير قد يقرأ القصة سريعا، وقد يسمع بها فقط، ولكنه لن يدرك تفاصيلها المهمة والتى تعلمه الكثير من خلال ما يحدث فى الحياة من خلال القراءة أو السمع فقط، وإنما من خلال عمل فنى قادر على تقديم أصعب القضايا بأسلوب مقنع، ومن هنا تأتى أهمية هذا العمل المهم، وكل صناعة، من المنتج والكاتب والمخرج الى كل من ساهم فى إبداعه.









