شرارة الحرب تزداد اشتعالا والمواجهة أكثر سخونة، والتصعيد مستمر والتهديدات متواصلة، إذ لم تتوقع الولايات المتحدة وإسرائيل أن تقوم إيران بإغلاق مضيق هرمز وأنها لن تستطيع أن «تمس» القواعد الأمريكية في المنطقة ولن تتمكن من مواجهة الغارات التي ستتم عليها، وقد تصيبها بالشلل خلال أيام وربما ساعات، كما لم يتوقعوا أن تقوم طهران بتكثيف الضربات على الكيان الصهيوني بهذا الشكل الموجع، كما لم يقدر ترامب ونتنياهو القدرات الإيرانية بالشكل الصحيح، هذه العوامل كلها جعلت الحرب تدخل مرحلة مختلفة، ولا أحد يمكن أن يتوقع إلى أين تسير الأمور ولا كيف تنتهي، وأصبح الوضع مثل متاهة الفئران، من الصعوبة بمكان معرفة كيفية الخروج منها، لعدم وجود خريطة واضحة تحدد المسارات.
ولم يقتصر الأمر على إيران، إنما تطورت الجبهة على لبنان بشكل دراماتيكي، مع مناوشات حزب الله لإسرائيل، ليمنحها المبرر لتعيث فسادا، وحتى الآن يمكن القول إن الخسائر على لبنان وبكل المقاييس أكثر، مع عدم مواجهة التوغل الإسرائيلي والاجتياح الذي يؤكد أنه ليس مجرد رد ولا دفاع عن النفس ولكن وجدتها تل أبيب فرصة للتوسع واحتلال المزيد من الأراضي اللبنانية وتتجاوز كل الخطوط الحمراء وتصل آلتها العسكرية إلى العاصمة بيروت.
كل ذلك جعل الحرب تخرج عن أهدافها التي أعلنتها أمريكا من قبل، بوقف البرنامج النووي الإيراني وتدمير الصواريخ الباليستية وتغيير النظام في إيران.
دول الخليج مازالت تتحلى بضبط النفس- وهو قرار عقلاني صحيح بكل المقاييس – رغم أن المسيرات تهاجم أهدافا في السعودية والإمارات وسلطنة عمان وقطر والكويت،.
على أي حال، الحرب ليست نزهة ولا رحلة، إنما قتال وقتل ودمار وخسائر بشرية ومادية واقتصادية، تلقي بتوابعها على الدنيا كلها، وحتى إن كانت من أجل مصالح أمريكا وإسرائيل، فإن غالبية الأمريكان يعارضون العمل العسكري ضد إيران، حسب استطلاعات رأي، أجرتها وسائل إعلام أمريكية، وترى أن ترامب اختار الصراع بدلا من الدبلوماسية، وأن الحرب أصبحت ذات أبعاد عالمية، وأثرت في أسواق النفط والمال وسلاسل التوريد والتجارة الدولية وحركة الطيران.
وأوضح خبراء أن إدارة ترامب تبنت توقعات مفرطة في التفاؤل بشأن ما يمكن أن تحققه الحرب، في تصور غير واقعي لطبيعة النظام الإيراني وتعقيدات المنطقة، وحذروا من أن الحرب قد تؤدي إلى توتر علاقة أمريكا مع حلفائها وأن الوقت قد حان لإنهاء الحرب قبل أن تتفاقم التبعات الإنسانية والسياسية والاقتصادية بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
ويعارض العديد من السياسيين الأمريكيين الحرب بشدة، مؤكدين أنها لا تخدم مصالح بلادهم ووصفوها بأنها «فشل أمريكي»، و«خيار خاطئ»، ويتزايد القلق بشأن احتمال اتساع نطاق الحرب وتأثيرها، خاصة وأن رسائل الإدارة الأمريكية مرتبكة، وتخوض الحرب بجانب إسرائيل التي تختلف أهدافها من القتال.
ترامب كان يأمل في انتصار سريع، يقدمه كنجاح سياسي، لكن بدأت الحرب تكشف تحولا في صورته، والأخطر أنه يجد صعوبة في إنهائها، والتطورات الميدانية تفرض مساراً مختلفا، بعد سقوط جنود أمريكيين، وتضاربت تصريحات الرئيس الأمريكي، فبعدما أعلن أن الحرب قاربت على الانتهاء، وأن إيران فقدت قدراتها وأنظمة اتصالاتها، تراجع بعد ساعات وأشار إلى احتمال استمرارها لفترة أطول.
وترى مصادر أمريكية، أن إيران أكثر استعدادا مما توقع ترامب، ونفذت هجمات مضادة بعيدة المدى، ونجح النظام في إعادة ترتيب صفوفه، وانتخب مجتبى خامنئي مرشدا جديدا.
الضربات الإيرانية الأخيرة للقواعد الأمريكية وفي قلب الكيان، أثارت الرعب في قلوب الصهاينة، والجميع يعيد حساباته ويحاول تصحيحيها، حيث إن قواعد اللعبة تتغير، وفي كل الأحوال وأيا ما كانت النتائج، فإن ما قبل الحرب لن يكون مثل ما بعدها.









