تعد صناعة الدواء واحدة من الركائز الإستراتيجية للأمن القومى لأى دولة، فهى لا تندرج تحت بند السلع التجارية الفاخرة، بل هى مسألة «حياة أو موت» وفى الآونة الأخيرة، واجهت هذه الصناعة عالمياً، وفى المنطقة العربية ومصر خصوصاً، أزمات متلاحقة جعلت من توفير علبة دواء واحدة تحدياً يواجه المريض والصيدلى والمصنع على حد سواء. إن فهم أبعاد هذه الأزمة يتطلب نظرة شمولية تجمع بين الاقتصاد، والسياسة، والبحث العلمي.
تكمن العقدة الرئيسية فى صناعة الدواء فى أن معظم الدول النامية تعتمد بنسبة تصل إلى 90 ٪ على استيراد المادة الفعالة «API» من الخارج، وتحديداً من الصين والهند. هذا الاعتماد جعل الصناعة المحلية رهينة لتقلبات السوق العالمي. ومنذ جائحة كورونا وحتى التوترات الجيوسياسية الحالية، تأثرت حركة التجارة العالمية، مما أدى إلى تأخير وصول المواد الخام وارتفاع تكاليف الشحن بشكل جنوني.
وبالنسبة للدول التى تعانى من فجوة تمويلية فى النقد الأجنبي، يصبح توفير الدولار لاستيراد المواد الخام عبئاً ثقيلاً، مما يؤدى إلى توقف خطوط الإنتاج أو خفض طاقتها. ويمثل «التسعير الجبري» للدواء سلاحاً ذو حدين. فمن جهة، تسعى الدولة لحماية المواطن البسيط من غلاء الأسعار، ومن جهة أخري، يجد المصنع نفسه أمام معادلة مستحيلة من حيث زيادة أسعار الطاقة، وأجور العمالة، والمواد الخام المستوردة، ومواد التغليف.
هذه الفجوة أدت إلى خسائر فادحة لشركات الأدوية، مما دفع بعضها للتوقف عن إنتاج «الأصناف الرخيصة» التى لم تعد تغطى تكلفتها، وهو ما يفسر اختفاء بعض الأدوية الحيوية «مثل أدوية الأمراض المزمنة» وظهورها فى «السوق السوداء» بأسعار مضاعفة. وكذلك غياب البحث العلمى وتوطين التكنولوجيا
رغم وجود قلاع صناعية كبري، إلا أن الأزمة الحقيقية تكمن فى أننا غالباً ما نقوم بعمليات «تعبئة وتغليف» أو تصنيع أدوية «جنيسة» «Generics» انتهت فترة حمايتها الفكرية. ويتطلب البحث العلمى استثمارات بمليارات الدولارات ونفس طويل، وهو ما تفتقر إليه الكثير من الشركات المحلية التى تكتفى بالربح السريع من الأدوية التقليدية. ولا تزال الأبحاث العلمية فى كليات الصيدلة حبيسة الأدراج، ولا تجد طريقها للتطبيق الصناعى الذى يحولها إلى منتج دوائى يحمل علامة «صنع فى مصر» من الألف إلى الياء. وبات المريض فى مهب الريح خلف الأرقام الاقتصادية، بسبب نقص الدواء. وهذا معناه تدهور الحالات الصحية للمصابين بأمراض مزمنة كالسكر والضغط. وهنا يضطر المريض إلى اللجوء للبدائل التى قد لا تكون بنفس الكفاءة أو تسبب أعراضاً جانبية. وقد انتشرت ظاهرة الأدوية المغشوشة أو «أدوية الرصيف» التى تستغل حاجة الناس واختفاء الأصناف الأصلية. إن الخروج من عنق الزجاجة يتطلب إستراتيجية وطنية شاملة لا تعتمد على المسكنات المؤقتة، بل على جراحة عاجلة للنظام الدوائي. ولابد من البدء فوراً فى إنشاء مصانع لإنتاج المواد الكيميائية والفعالة محلياً، لتقليل الارتهان للدولار والتقلبات العالمية. ومن المهم تطبيق نظام «التسعير المتحرك» الذى يوازن بين القدرة الشرائية للمواطن وبين استمرارية المصنع، مع تفعيل دور «صناديق دعم الدواء» للفئات غير القادرة. ولابد من
تشجيع الشركات العالمية على التصنيع داخل البلاد ونقل التكنولوجيا بدلاً من مجرد الاستيراد.
وكذلك يجب تشديد الرقابة على سوق الدواء لمنع الاحتكار ومنع تسرب الأدوية من المستشفيات الحكومية إلى السوق السوداء. إن أزمة الدواء ليست مجرد أزمة «نقص أصناف»، بل هى جرس إنذار يستوجب إعادة النظر فى منظومة التصنيع والرقابة. إن امتلاك القدرة على تصنيع الدواء محلياً هو استكمال للسيادة الوطنية، وحماية لأرواح الملايين. الطريق صعب ويتطلب تكاتفاً بين الحكومة والقطاع الخاص والبحث العلمي، لكنه طريق لا بديل عنه إذا أردنا مجتمعاً يتمتع بالصحة.









