فى لحظة إقليمية شديدة التعقيد ، وفى وقت تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الرهانات السياسية تواصل الولايات المتحدة الأمريكية وبمشاركة حليفتها اسرائيل الهجمات العسكرية على ايران.. إلا أن توابع هذه الحرب تعد اخطر من الحرب نفسها حيث امتدت نيرانها سريعًا لإحداث فوضى وتداعيات أمنية على عدد من الدول بالاضافه لتذبذب اسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية واستقرار العملات لتضع الاقتصاد العالمى امام اختبار جديد .
«الجمهورية الأسبوعى» استطلع أراء المتخصصين حول الأوضاع فى «ايران واسرائيل» ومستجدات الصراع ومستقبله فكانت آراؤهم كالتالى:
فى البداية اكد الدكتور محمد وازن خبير الشئون الاسرائيلية والدراسات الاستراتيجية أن المنطقة منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخري،تشهد تحولًا استراتيجيًا عميقًا يتجاوز حدود العمليات العسكرية المباشرة ليطال بنية التوازنات الإقليمية وأوضاع الدول المعنية داخليًا. وفى قلب هذه التحولات تقف إسرائيل أمام اختبار غير مسبوق لطبيعة مجتمعها وجبهتها الداخلية، ولقدرة قيادتها السياسية على إدارة حرب مفتوحة مع خصم يمتلك قدرات صاروخية وإقليمية واسعة.
اضاف : انه على عكس جولات التصعيد التقليدية التى اعتادت إسرائيل خوضها فى محيطها القريب، سواء مع غزة أو جنوب لبنان، فإن الحرب الحالية مع إيران تحمل طابعًا مختلفًا، فهى ليست مواجهة محدودة جغرافيًا أو زمنيًا، بل صراع متعدد المستويات يمتد من الضربات الجوية والعمليات الاستخباراتية إلى حرب صواريخ بعيدة المدى تطال العمق الإسرائيلى بشكل مباشر. وهذا التطور يمثل تحديًا غير مسبوق للمفهوم الأمنى الإسرائيلى الذى تأسس تاريخيًا على نقل المعركة إلى أرض الخصم ومنع انتقالها إلى الداخل.
اشار وازن إلى انه خلال الأيام الأخيرة، أصبحت المدن الإسرائيلية الكبرى مثل تل أبيب وحيفا ومحيط القدس تعيش تحت وطأة الإنذارات المتكررة والصواريخ بعيدة المدي، وهو وضع لم يعتده المجتمع الإسرائيلى بهذه الكثافة منذ عقود. ورغم قدرة منظومات الدفاع الجوى مثل «القبة الحديدية» و»مقلاع داوود» ومنظومة «حيتس» على اعتراض نسبة كبيرة من الصواريخ، فإن مجرد استمرار إطلاقها يفرض حالة من الضغط النفسى والاجتماعى على الجبهة الداخلية.
مؤكدا أن هذه التطورات كشفت عن حقيقة أساسية فى بنية الأمن الإسرائيلي، وهى أن التفوق العسكرى لا يعنى بالضرورة حصانة مطلقة للداخل ، فإسرائيل التى تمتلك واحدة من أكثر المنظومات الدفاعية تقدمًا فى العالم، لا تزال تواجه تحديًا كبيرًا فى حماية جبهتها الداخلية بالكامل فى مواجهة خصم يمتلك مخزونًا صاروخيًا كبيرًا وقدرة على إطلاقه بوتيرة متواصلة.
وشدد على أن هذه المعادلة الجديدة تعنى أن إسرائيل دخلت فعليًا فى نمط من حرب الاستنزاف على الجبهة الداخلية، حيث لا يقتصر التأثير على الأضرار المباشرة بل يمتد إلى تعطيل الحياة اليومية، وإغلاق المدارس والجامعات مؤقتًا، وإجبار مئات الآلاف من الإسرائيليين على قضاء ساعات طويلة داخل الملاجئ. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الحالة إلى عنصر ضغط سياسى على الحكومة، لأن المجتمع الإسرائيلى تاريخيًا حساس للغاية تجاه مسألة الأمن الشخصى والاستقرار الداخلي.
وحول الاثار الاقتصادية للحرب على الداخل الاسرائيلى قال وزان أن: تمثل الحرب الحالية تمثل ضربة إضافية لاقتصاد كان لا يزال يتعافى تدريجيًا من آثار حرب غزة والأزمات الأمنية التى شهدتها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة. فكل يوم من العمليات العسكرية المكثفة يكلّف الاقتصاد الإسرائيلى مليارات الشواكل نتيجة تعطيل النشاط التجاري، وانخفاض الإنتاجية، وتزايد الإنفاق العسكري.
كما أن قطاع السياحة، الذى يشكل أحد مصادر الدخل المهمة لإسرائيل، يُعد من أكثر القطاعات تأثرًا بالحرب. فمع تصاعد التوترات الإقليمية وتكرار الإنذارات الصاروخية، تتجه شركات الطيران الدولية إلى تقليص رحلاتها أو تعليقها مؤقتًا، بينما يتراجع عدد السياح بشكل حاد. وهذا يضيف عبئًا اقتصاديًا إضافيًا على الحكومة الإسرائيلية فى وقت ترتفع فيه تكاليف الدفاع والعمليات العسكرية بشكل غير مسبوق.
أما على الصعيد السياسى فقال: رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يجد نفسه فى موقف معقد يجمع بين الفرصة والمخاطرة فى آن واحد. فمن ناحية، تمنحه الحرب فرصة لإعادة تقديم نفسه كقائد أمنى قوى يقود إسرائيل فى مواجهة تهديد استراتيجى وجودي، وهو الخطاب الذى استخدمه مرارًا طوال مسيرته السياسية. وغالبًا ما تؤدى الحروب فى بداياتها إلى تعزيز موقع القيادة السياسية نتيجة ما يُعرف بتأثير «الالتفاف حول العلم»، حيث تتراجع الخلافات الداخلية مؤقتًا لصالح دعم القيادة فى مواجهة الخطر الخارجي.
لكن هذه المعادلة لا تستمر إلى الأبد. فكلما طالت مدة الحرب وارتفعت تكلفتها البشرية والاقتصادية، يبدأ المجتمع الإسرائيلى فى طرح أسئلة أكثر صرامة حول جدوى استمرارها وحدود أهدافها. وهنا يتحول الإنجاز العسكرى مهما كان مهمًا إلى عنصر غير كافٍ إذا لم يقترن بنتيجة سياسية واضحة تقلل من المخاطر المستقبلية.
وعن دور المعارضة الاسرائيلية تبدو الفترة المقبله قال وزان أن : « المعارضة الإسرائيلية حذرة فى تعاملها مع الحرب. فهى تدرك أن مهاجمة الحكومة خلال العمليات العسكرية قد تُفسَّر كإضعاف للجبهة الداخلية، ولذلك تميل فى المرحلة الحالية إلى دعم الجهود العسكرية مع الاحتفاظ بحق مساءلة الحكومة لاحقًا. ومع ذلك، فإن المعارضة تراقب عن كثب تطورات الحرب، خصوصًا فيما يتعلق بحجم الخسائر الاقتصادية وتأثيرها على الحياة اليومية للإسرائيليين، فإذا تحولت الحرب إلى مواجهة طويلة الأمد دون تحقيق إنجاز واضح يمكن تسويقه للجمهور.
موضحا أن استمرار الحياة فى ظل الملاجئ والإنذارات المتكررة يترك آثارًا نفسية عميقة على المجتمع. فالأطفال والعائلات الذين يضطرون للنزول إلى الملاجئ بشكل متكرر يعيشون حالة من القلق المستمر، بينما تتعطل الحياة الطبيعية فى العديد من المدن. ورغم أن المجتمع الإسرائيلى اعتاد نسبيًا على فترات التوتر الأمني، فإن حجم الصراع الحالى واتساع نطاقه يجعلان هذه التجربة أكثر قسوة من جولات المواجهة السابقة.
أضاف:» أنه يمكن القول إن مستقبل الحرب وتأثيرها على إسرائيل سيتحدد وفق عاملين رئيسيين: مدة الصراع، وحجم الأضرار التى تلحق بالجبهة الداخلية. فإذا نجحت إسرائيل والولايات المتحدة فى فرض واقع عسكرى جديد يحد من القدرات الإيرانية خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، فقد تتمكن الحكومة الإسرائيلية من تقديم الحرب باعتبارها نجاحًا استراتيجيًا يعزز موقعها السياسي.
أما إذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة تتخللها ضربات متكررة للداخل الإسرائيلي، فإن المعادلة السياسية قد تنقلب تدريجيًا. فالمجتمع الإسرائيلى قد يقبل بتحمل كلفة مرتفعة لفترة محدودة، لكنه يصبح أكثر تشددًا فى محاسبة القيادة أنه إذا شعر بأن الحرب فقدت هدفها الواضح أو تحولت إلى حالة دائمة من عدم الاستقرار.
وبناءً على ذلك، يبدو أن إسرائيل تقف اليوم أمام لحظة مفصلية فى تاريخها الأمنى والسياسي. فنتائج هذه الحرب لن تحدد فقط شكل التوازن العسكرى فى المنطقة، بل ستؤثر أيضًا فى طبيعة النظام السياسى الإسرائيلى ومستقبل قيادته. وفى النهاية، قد يكون السؤال الأهم الذى سيطرحه الإسرائيليون بعد انتهاء الحرب ليس فقط من انتصر عسكريًا، بل ما إذا كانت هذه المواجهة جعلت إسرائيل أكثر أمنًا واستقرارًا أم أدخلتها فى مرحلة جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي.
عن الاوضاع فى ايران يؤكد الدكتور محمد محسن أبو النورخبير الشؤون الإيرانية،ان قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فاجأ العالم عندما أعلن أنه يتطلع إلى إنهاء الحرب على إيران بسرعة، فيما يبدو أن بعض مستشاريه، وعدد من كوارد حركة «ماجا» حثوه، على البحث عن خطة خروج من الصراع، وسط ارتفاع أسعار النفط ومخاوف من أن يؤدى نزاع طويل إلى ردود فعل سياسية سلبية داخل دوائر الحكم الأمريكية، قبيل انتخابات التجديد النصفي، فضلا عن الضرر الهائل الذى لحق بحلفاء واشنطن فى منطقة الشرق الأوسط والعالم شرقا وغربا.
أضاف:» إن سعر النفط ارتفع فى الأسواق العالمية بشكل كبير منذ اندلاع الحرب التى بدأت فى الثامن والعشرين من فبراير ليصل لمستوى ال 100 دولار للبرميل، ومن المسلم به أن هذا الارتفاع نتج عن التوترات فى مضيق هرمز، لاسيما أن إيران قالت إن الدول التى سيسمح لها بالمرور من المضيق هى التى ستطرد سفراء إسرائيل من أراضيها فى إشارة واضحة الدلالة على سيطرتها على مضيق هرمز واستخدمه كورقة ضغط فى أتون تلك الحرب.
وعن استخدام ايران مضيق هرمزكأحد أوراق الضغط قال:ابوالنور بالطبع فى إيران ينظر إلى مضيق هرمز كأحد أهم أوراق الضغط الدولية والإقليمية على اللاعب الأمريكى الذى تضرر بشدة من تحكم إيران فى المضيق وإعاقة حركة المرور والملاحة والتجارة خلاله، ويرى قطاع فى مجتمع الخبراء بإيران من بينهم خبير السياسات الدولية، مرتضى مكي، بضرورة استخدام ورقة الضغط المتعلقة بمضيق هرمز؛ لإثارة الرأى العام العالمى ولفت الانتباه إلى السياسات الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران إثر هذه الحرب، بهدف انتزاع الاعتراف الدولى بمصالح إيران وحقوقها الإقليمية والدولية.
وعن الموقف الاوروبي..اكد ابوالنور أن الحرب الراهنة ظهرت اختلافات وانقسامات بين الحكومات الأوروبية حول الهجوم على إيران، حتى إن بريطانيا، التى سمحت مبدئيا باستخدام قاعدة دييجو جارسيا، أعادت تقييم موقفها لاحقا، ما اضطر ترامب إلى مهاجمتها وقال إن بلاده ليست فى حاجة إلى الحاملات البريطانية وإنها ستخوض معركتها بمفردها ضد إيران.
مشيرا إلى ان اللافت هذه المرة أن فرنسا وألمانيا تبنتا موقفين مختلفين، إذ حاول الفرنسيون فى البداية الموازنة بين دعمهم للدول العربية والحفاظ على علاقاتهم مع الولايات المتحدة، لكن بعد ردود إيران غير المتوقعة، أعلنوا أنهم لم يضعوا أى قاعدة عسكرية تحت تصرف أمريكا، أما ألمانيا، التى كانت داعمة لإسرائيل خلال حرب الـ12 يوما، فقد أعرب مستشارها عن قلق شديد من تداعيات انعدام الأمن فى المنطقة واحتمال تأثير الاضطرابات الإيرانية على أوروبا، داعيا إلى إنهاء الحرب سريعا.
اضاف:»يمكن القول إن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية حققت نجاحا تكتيكيا تمثل فى اغتيال 49 قائدا من الصف الأول بالبلاد على رأسهم المرشد على خامنئي، غير أن النجاح التكتيكى لا يعنى بالضرورة تحقيق إستراتيجية مستدامة ناجحة، فالرد الإيراني، الذى اتسم باتساعه الجغرافي، وتأثيره المُعطِّل اقتصاديا، وحساباته السياسية هدف إلى تغيير بنية الصراع، والعمل على نقاط الضعف المركزية فى الإستراتيجية ــ أو بالأحرى اللاإستراتيجية ــ للرئيس ترامب، ومن خلال توسيع ساحة المعركة وإطالة أمد الحرب، أرادت طهران تحويل هذا الصراع من معركة حول القدرات العسكرية إلى منافسة حول القدرة على التحمل والصمود والدخول فى حرب استنزاف تناسبها ولا تناسب الطرف المهاجم.
وعن مستقبل الصراع فى عهد مجتبي..أوضح د.ابوالنور انه فى ظل صعود آية الله، مجتبى خامنئي، إلى منصب الولى الفقيه الثالث فى إيران، من المتوقع أن تستمر إيران فى اتباع سياسة التوسع غير المباشر والمراوغة الإستراتيجية، والميل إلى نهج أكثر تشددا من ذلك النهج الذى اتبعه والده آية الله على خامنئي، مستغلة نقاط القوة الجغرافية والجيوستراتيجية ،مشيرا اليان ايران قد تتجه نحو تعزيز قدراتها الإقليمية بالوكالة: من خلال زيادة الدعم للأحزاب المسلحة والفصائل فى العراق وسوريا ولبنان واليمن لتعميق النفوذ وتقوية قواعد الردع الإقليمي، وجعل حزب الله على سبيل التحديد ورقة مهمة من أوارق التسوية السياسية الشاملة، والتحكم بأسواق الطاقة إثر استخدام النفط والغاز كأداة ضغط اقتصادى ودبلوماسي، مع توجيه التأثير نحو آسيا التى تعتمد على نفط الشرق الأوسط بشكل كبير، لاسيما الهند واليابان الحليفتان للولايات المتحدة الأمريكية.
الى جانب ترسيخ الصمود الداخلى عن طريق تحفيز الشعور الوطنى والمقاومة السياسية لتعزيز استقرار النظام، مع التركيز على بناء مقاومة اقتصادية وسياسية طويلة الأمد ضد العقوبات والحصار الخارجى ، واعتماد أدوات ردع نووية ، حيث من المرجح بشدة أن يلجأ المرشد الجديد إلى إصدار فتوى اتاحة امتلاك السلاح النووي، بهدف تطوير قدرات الردع غير التقليدية لتغيير معادلات القوة، علما بمبدأ أن الدول النووية لا تهاجَم من الأعداء الخارجيين تأسيا بكوريا الشمالية التى لم تهاجم وتعلما من درس أوكرانيا التى هوجمت.
واختتم حديثه بالقول إن إيران حاولت قلب المعادلة الإستراتيجية الأمريكية وإبطال مفعول التفوق العسكرى الأمريكى الإسرائيلى من خلال توسيع نطاق المعركة جغرافيا وإغلاق مضيق هرمز ورفع كلفة الحرب على العالم بالكامل، كما أن مستقبل إيران تحت حكم مجتبى خامنئى سيشهد سياسة مروحية بين القوة العسكرية التقليدية، والقوة النووية، والسيطرة الاقتصادية، والتشدد الدبلوماسي، مع التركيز على الصمود الطويل وتحويل أى أزمة إلى فرصة لتعزيز النفوذ الإقليمى والدولي، وفى هذا السياق، ستظل إيران لاعبا صعب التنبؤ فى الساحة الإقليمية، قادرًا على تحويل نقاط ضعفها الظاهرية إلى أدوات ضغط إستراتيجية فعالة.









