
تتسارع التحولات، وتتبدل القيم تحت ضغط التكنولوجيا والفضاء الرقمي، وهنا يقف الداعية أمام اختبارٍ حقيقى فى تبليغ رسالة السماء بلغة الأرض، وحفظ ثوابت الدين دون انفصال عن واقع الناس، وبين منابر المساجد وشاشات الهواتف، وقدسية العلم وضجيج «التريند» ، تتشكل ملامح خطاب دينى جديد، يواجه تحديات غير مسبوقة، ويبحث عن طريقه بين الأصالة والمعاصرة.. «الجمهورية» تفتح مع د. يسرى عزام من علماء الأزهر الشريف ملف الدعوة فى زمن التحولات، ودور الداعية، وتحديات الخطاب الديني، وحدود التأثير الرقمى، ومسئولية مؤسسات الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية فى ضبط البوصلة وحماية الوعى.
> كيف ترون دور الداعية فى ظل التغيرات التى يشهدها المجتمع؟
>> الداعية أقامه الله فى محراب الدعوة من غير حول ولا قوة والله سبحانه هو الذى هيأ له الأسباب وأقامه فى هذا المقام، وقد عبر عن ذلك سيدى ابن عطاء الله السكندرى رضى الله عنه بقوله: «إذا أردت أن تعرف مَقَامك عند الله، فانظر فيما أقَامك»، ومن ثم فإن الداعية مُبَلِغ عن الله ورسوله، ويجب أن يكون له دور إيجابى وفاعل فى التغيرات التى يشهدها المجتمع، وأن يواكب العصر، ويتعامل بوعى مع التحديات الراهنة، وأن يكون مُلِمَّا بالمستجدات والقضايا الحديثة حتى يكون قادرا على الإجابة عن تساؤلات الناس والتفاعل معهم.
> ما أبرز تحديات الخطاب الدينى؟ وكيفية تجاوزها؟
>> الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعى حيث لم يعد الخطاب الدينى مقتصرا على المساجد أو المدارس أو النوادى كما كان فى السابق بل أصبح العالم كله قرية صغيرة عبر الإنترنت ومنصات التواصل المختلفة، وهو ما يفرض على الداعية ضرورة مواكبة هذه المستجدات، وأن يكون له دور بارز ومؤثر فى الفضاء الرقمى ووسائل التواصل الاجتماعي، كما يتمثل أحد أهم التحديات فى مراعاة الداعية مقتضى حال المخاطَبين بخطابه ودعوته، وهو ما يمكن تجاوزه من خلال مواكبة العصر وفهم الواقع والتعامل الواعى مع المستجدات الحديثة.
> كيف نعيد بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات الدينية؟
>> إعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات الدينية تحتاج أن يكون العالم أو الشيخ قدوة حقيقية للشباب، لأن فقدان هذه القدوة تضعف الثقة وتظهر فجوة بين الشباب والدعاة وهنا تبرز الحاجة إلى استعادة الثقة من خلال داعية يكون نموذجا فى القول والعمل وقريبًا من قضايا الشباب. كيف يمكن للدين أن يكون فاعلا فى مواجهة العنف والتطرف؟ بالمخاطبة باللين والقول الحسن فالمنهج النبوى النورانى والمنهج الرحمانى يقومان أساسا على الرحمة واللين وهما السبيل الحقيقى لمواجهة العنف والتطرف.
> حدثنا عن دور المسجد فى حياة الناس مقارنة بالماضي؟
>> لم يعد دور المسجد كما كان فى الماضي.. إذ كان قديما كان المسجد مَدرسة ومركز تعليم، أما اليوم فقد أصبح الخطاب موجها إلى الناس فى كل مكان فى الشوارع والمقاهى والنوادى ومع ذلك نتمنى أن يُقبل الناس مرة أخرى على المسجد.
> وماذا عن دور المرأة فى العمل الدعوى والمشاركة المجتمعية؟
>> مهم جدا.. وهذا كان فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة والتابعين، فقد كان أصحاب رسول الله يأتون إلى أم المؤمنين عائشة ويتعلمون منها العلم، ولو نظرنا إلى تراجم الأئمة الكبار لوجدنا أن الإمام البخارى رضى الله عنه كان له أساتذة من النساء، وكن يتعلمن العلم على يديه ويُعلمن العلم للناس، وجاءت بعض النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكين غلبة الرجال عليهن فخصص لهن يوما يعلمهن فيه ويعظهن ويؤدبهن، ومن هنا تتضح أهمية المرأة فى العمل الدعوى والمشاركة المجتمعية، وهناك فتاوى لاتصلح للإجابة عنها سوي النساء للإجابة عليها.
> هل أصبحت السوشيال ميديا منبرا حقيقيا للدعوة أم ساحة للفوضى الدينية؟
>> وسائل التواصل الاجتماعى سلاح ذو حدين فقد تكون منبرا حقيقيا للدعوة إذا أحسن الداعية استخدامها بإخلاص فيصل بها إلى الناس فى كل مكان لكنها فى المقابل قد تتحول إلى ساحة للفوضى الدينية حين يتصدرها من يتكلم بغير علم وهو أمر خطير إذ لا بد للإنسان أن يتعلم قبل أن يتكلم.
> وما خطورة تصدر غير المتخصصين للفتوى عبر مواقع التواصل؟
>> تصدر غير المتخصصين للفتوى من علامات الساعة كما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم حين قال «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء» ولا بد لمن يتصدر للفتوى أن يكون مؤهلا علميا وأن يراعى مقتضيات الزمان والمكان وحال الأشخاص والبيئة التى يُفتى فيها.
> كيف نميز للناس بين الداعية الحقيقى وصانع المحتوى الديني؟
>> صانع المحتوى الدينى مجرد ناقل أما الداعية الحقيقى فهو من تلقى العلم فى الأزهر الشريف ومر بمراحل التعليم المختلفة وجلس بين يدى العلماء وتلقى العلم عنهم وقد وضع الإمام الشافعى شروطا لتحصيل العلم الحقيقى حين قال «أخى لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد وبُلغة وصحبة أستاذ وطول زمان» ولا بد لطالب العلم أن يزاحم العلماء بالركب قبل أن يتصدر للفتوى أو يتحدث باسم الدين.
> هل يمكن للداعية أن يختصر الدين فى فيديوهات قصيرة دون الإخلال بالمعنى؟
>> هذا من البلاغة فى البيان وفى الدعوة إلى الله أن يُلخص وأن يختصر من خلال جُمل قصيرة، ولكنها تحمل معانى كثيرة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول كلمات قليلة لكنها تحمل المعانى الكثيرة.
> إلى أى مدى أثرت «التريندات الدينية» على الوعى الدينى؟
>> أثرث تأثيرا سلبيا جدا وأعتب على كثير من الدعاة أنهم يسيرون خلف الترند، وأنهم يروجون أى كلام ولا يعقلون فيما يقولون وهذا كان سبباً من أسباب انتشار بعض الفتاوى الشاذة والمتطرفة والدخول فى أمور لايحق للداعية أن يدخل فيها.
> هل تحول بعض الدعاة إلى نجوم سوشيال ميديا على حساب الدعوة؟
>> نعم البعض تحول إلى هذا وهو مهتم جدا بالترند والتعليقات والمشاهدات فلابد أن يُخلص العمل لله ومتى علم الله من عبده الاخلاص فتح له قلوب الناس فالشهرة خطر فى ذاتها لكن على الداعية أن يخاطب نفسه دائمًا أنه يبلغ عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتذكر قوله تعالى «الذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله».
> من يتحمل مسئولية الخطاب الدينى المتشدد أو المنفلت على الإنترنت؟
>> تتحمّل هذه المسئولية المؤسسات الدينية كالأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء لأننا قصرنا فى هذا الجانب فظهر بعض المتشددين وبعض المنفلتين فى الخطاب الدينى وأقول للناس جميعا ارجعوا إلى الأزهر الشريف وعلمائه فهم الثقات وهم الذين تعلموا العلم الوسطى المعتدل.
> هل تأخرت المؤسسات الدينية فى مواكبة لغة العصر ووسائل الشباب؟
>> نعم تأخرت فى السابق لكنها تواكب الآن وتتماشى مع المستجدات العصرية بقوة، فقد أصبح كثير من الدعاة والأزهريين وكذلك الصفحات الأزهرية المعتمدة مثل وزارة الأوقاف ومشيخة الأزهر ومرصد الأزهر ودار الإفتاء لديهم صفحات وقنوات على يوتيوب وانستجرام وتيك توك إلى جانب فيسبوك وأصبحوا يواكبون هذا الأمر بوضوح.
> وما النصيحة التى تقدمها للجيل الحالى مع اختلاف الأصوات الدينية؟
>> أوجه نصيحة واضحة الجأوا إلى الأزهر الشريف وتعلموا العلم الصحيح منه فهو منبع الوسطية وصاحب منهج الوسطية فى العالم بأسره.









