حوار- إيمان عبدالعزيز:
تظل إيمان فرج السيد أحمد، زوجة البطل الشهيد الرائد محمد إبراهيم البقاش تتذكر حديثه الأخير عن الوطن وحقه على كل مصرى، وتقول.. كان عاشقًا لوطنه الشهيد الذى خرج من قريته بمحافظة الشرقية حاملاً حلم العسكرية وانتهى به الطريق على الحدود، يؤدى واجبه حتى اللحظة الأخيرة. تصفه زوجته بأنه كان بطلاً بمعنى الكلمة
> حدثينا عن نشأة الشهيد محمد البقاش، وكيف كانت ملامح شخصيته وسلوكه بين أسرته وأصدقائه؟
>> محمد من مواليد 17 يناير عام 1988 بقرية صافور مركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية، التى قضى بها سنوات طفولته وشبابه ودراسته، حيث التحق بمدرسة الإمام محمد عبده بقريته نفسها فى المرحلة الابتدائية، وفى المرحلة الإعدادية التحق بمدرسة صافور الإعدادية بنين، ثم التحق فى المرحلة الثانوية بمدرسة صافور الثانوية المشتركة، وهى المدرسة التى حملت اسمه بعد استشهاده تكريماً له وتخليداً لذكراه.. كان محمد مهذباً مُحباً للجميع ومحبوباً من أهله جميعهم وأصدقائه وأبناء قريته، يمد يد العون والمساعدة قدر استطاعته للجميع، كما كان متفوقاً فى دراسته، مشهوداً له بالالتزام وحُسن الخلق.
> كيف كانت المسيرة العسكرية للشهيد محمد منذ التحاقه بالكلية الحربية وحتى استشهاده أثناء أداء واجبه فى حماية حدود الوطن؟
>> بعد أن أتم محمد المرحلة الثانوية بتفوق، راوده حلم حياته فى الالتحاق بالكلية الحربية التى اجتاز اختباراتها بنجاح والتحق بها فى 17 أكتوبر 2005 الدفعة 102 حربية، وكان خلال فترة دراسته فى الكلية الحربية مثالاً للانضباط والالتزام حتى تخرج فيها بتاريخ 21 يوليو 2008، برتبة ملازم والتحق بسلاح المشاه الذى عمل به عامين قبل انتدابه للعمل بسلاح حرس الحدود، حيث أدى واجبه على الوجه الأكمل فى حماية حدود الوطن فى عدة مناطق منها سفاجا وبرانى وبورسعيد والعريش، وحصل خلال تلك الفترة على العديد من الفرق منها فرقة الصاعقة الراقية وفرقة قفز المظلات، وفرقة الأمن الأساسية، كما حصل أيضاً على الرخصة الدولية للحواسب وفرقة قائد فصيلة مشاه وفرقة قائد فصيلة حرس حدود، ثم انتقل أخيراً إلى الفرافرة التى نال الشهادة فيها بطلاً جسوراً فى 23 أغسطس 2015، أثناء مطاردته لمجموعة من المهربين على الحدود المصرية.
> كيف تصفين لنا شخصية الشهيد محمد كزوج وإنسان، وما أبرز الصفات التى أحببتِها فيه خلال حياتكما معاً؟
>> عرفته خلوقاً مهذباً، رأيت فيه من سمات الرجولة الحقة.. تزوجنا يوم 6 يونيو 2013 قبل عامين فقط من استشهاده فى الثامنة والعشرين من عمره.. أحببت فيه احترامه لنفسه وللآخرين.. صفاء قلبه وحنانه وتواضعه وسعيه الدائم وراء الخير والتزامه وقربه من الله عز وجل، ورزقنا الله ابنتنا «سلمى»، التى لم تكن تجاوزت عامها الأول يوم استشهاده.
> هل تتذكرين آخر الأحاديث التى دارت بينكِ وبين البطل الشهيد؟
>> عند قدومه فى إحدى إجازاته، قرأت فى ملامحه بعض القلق، أدركت حينها أنه يحاول إخفاء أمر ما.. تحدثت معه محاولة التخفيف عنه.. سألته عما يقلقه، فتحدث كثيراً عن أصدقائه وزملائه من الشهداء وقصص بطولاتهم، وأخبرنى بأنه يتمنى أن ينال الشهادة، وقتها اقترحت عليه أن يخدم وطنه فى أى ميدان آخر لقلقى عليه.. فأجابنى بأنه يريد أن يكمل دوره فى حماية أرض وطنه وحراسته وفدائه حتى آخر لحظة فى حياته.. حينئذ، دعونا الله معاً أن يحفظ مصر، وأن ينصر جيشها العظيم على أعداء الوطن.
> ما الرسالة التى تودين توجيهها لزوجك الشهيد البطل، ولكل أبطالنا الشهداء؟
>> فخورة بك قدر حزنى لفراقك، وعزائى أنك وكل شهدائنا الأبطال خلدتم أسماءكم فى الأرض بحروف من نور.. وأنعم الله عليكم فى السماء بمنزلة عظيمة.. أنت معى فى كل أوقاتى وتفاصيل حياتى.. أعدك بأن أغرس فى ابنتنا «سلمى» من جميل أخلاقك ومبادئك ما يسعدك فى جنة الخلد بإذنه تعالى.. رحمك الله وألهمنى وكل أسر الشهداء الصبر والثبات.
لكن رسالتى كل مصرى يحب وطنه أن الأرض التى ضحى هؤلاء الشهداء فى سبيلها يجب أن نحافظ عليها، وأن نحمى بلدنا من كل المخططات.. هذا واجبنا.
يوم الشهيد
«حكاية دم أزهرت وطنًا»
عقيدة الفداء من «الجنرال الذهبى» إلى «ملحمة الحرب على الإرهاب» قصة الصمود والبناء
كتبت – شيماء المليجى:
فى التاسع من مارس من كل عام، تتوقف عقارب الساعة إجلالاً فى محراب الوفاء، حيث تنحنى الدولة المصرية بكافة مؤسساتها تقديراً لرجالٍ لم يكتبوا التاريخ بأقلامهم، بل سطروه بدمائهم الغالية. إن «يوم الشهيد» ليس مجرد ذكرى عابرة تمر فى تقويم الأيام، بل هو يوم تجديد العهد الذى قطعته القوات المسلحة على نفسها بأن تظل رمال هذا الوطن حيةً بمداد الفداء، وأن يبقى علم مصر شامخاً.
لقد اختير هذا اليوم تحديداً ليكون «يوماً للشهيد» تأكيداً على أن لقب «شهيد» هو أسمى المراتب العسكرية والإنسانية، وأن الشهادة هى الغاية التى يتسابق إليها الجميع، من المجند البسيط إلى أرفع الرتب القيادية، وكأنها رسالة للعالم بأن الشرف والوطن يستحقان بذل الروح دون تردد.
الأرض عرض.. عقيدة المقاتل المصرى
فى وجدان الجندى المصرى، ليست الأرض حفنة من التراب، بل هى امتداد للبيت والعرض والكرامة. لقد تجلى ذلك بوضوح خلال كافة الحروب والمعارك التى مرت بها مصر، وفى العصر الحديث، حين واجه أبطال القوات المسلحة والشرطة المدنية مخططات شيطانية استهدفت تمزيق الدولة عقب أحداث يناير 2011، حيث تصدى الأبطال لمؤامرات «الشرق الأوسط الجديد» التى استهدفت تقسيم مصر، فكانت تضحياتهم هى الصخرة التى تحطمت عليها تلك الأوهام.
وعقب ثورة 30 يونيو 2013، حمل رجالنا الأبطال أرواحهم على أيديهم للحفاظ على كيان الدولة ومنع انزلاقها نحو الفوضى والحروب الأهلية التى عصفت بدول مجاورة، مؤكدين أن دماءهم هى الثمن الوحيد ليعيش الملايين فى أمان.
خرائط الفداء.. مواقع خلدتها الدماء
لم يتوقف موكب الشهداء عند نصر أكتوبر 1973، بل امتدت الملحمة لتطهر أرض سيناء من الإرهاب الأسود فى مواقع أصبحت «أيقونات» للصمود. والكتيبة 101 فى العريش التى تعد بمثابة قلعة الصمود بعدما تحولت بدم قادتها إلى رمز للدفاع عن الأرض. ومنطقة جبل الحلال فى وسط سيناء حيث قهر الأبطال وعورة الجغرافيا وإرهاب العناصر التكفيرية فى آن واحد. وموقعة كمين الواحات فى عام 2017 حيث اختلطت دماء رجال الأمن الوطنى والعمليات خاصة، كالعقيد أحمد فايز، دفاعاً عن العمق المصرى. تأتى كل هذه البطولات امتداداً للعمليات النوعية منذ حرب الاستنزاف التى تبرز فيها سيرة الشهيد إبراهيم الرفاعى ورجال المجموعة 39 قتال، الذين أذاقوا العدو الويلات من 1967 وحتى استشهاده فى أكتوبر 1973.
الأبطال الصامتون.. معركة الصبر والرعاية
وخلف كل شهيد، تقف جيوش صامتة من «الأبطال الحقيقيين»: أم صابرة، وزوجة محتسبة، وابن يحمل الفخر فى قلبه والجرح فى روحه. إن الدولة المصرية، بدءاً من القيادة السياسية والقيادة العامة للقوات المسلحة وكافة مؤسسات الدولة بما فى ذلك جمعية المحاربين القدماء وصندوق تكريم الشــهداء، لا تقدم مجرد رعاية مادية لأسر الشهداء، بل تعمل على تخليد أسماء الشهداء على المدارس والشوارع والميادين لتظل سيرتهم نبراساً للأجيال، إلى جانب غرس القدوة فى نفوس الشباب بأن الوفاء للشهيد يكون بالحفاظ على ما ضحى من أجله.
إن الاحتفال بيوم الشهيد فى عام 2026، وسط تعقيدات إقليمية ودولية، يحمل دلالة «الردع بالذكرى»، فهو تذكير لكل طامع بأن هذا الوطن «محروس» بصدور رجاله، وأن الوعى هو السلاح الأول فى معركة البقاء، وأن دماء الشهداء هى التى مهدت الطريق لبناء «الجمهورية الجديدة». فكل مشروع قومى يُدشن، وكل طفل ينام آمناً، هو فى الحقيقة «صدقة جارية» على أرواح من وهبونا الحياة برحيلهم. إن استلهام روح انتصارات العاشر من رمضان وعزيمة أبطال سيناء هو الطريق الأمثل لبناء مستقبل يليق بتلك التضحيات.
وسيظل «يوم الشهيد» هو النبض الذى يجدد الدماء فى عروق الدولة المصرية. دماء هؤلاء الأبطال كانت وستظل استثماراً فى البقاء والحفاظ على وحدة وكرامة الوطن.
والدة الشهيد سعيد حمدى:
اختار الشهادة كى يخلد فى تاريخ وطنه

حاورتها: دعاء عمرو
اخترت الرحيل كى أعيش حياً فى تاريخ وطنى مصر.. أنا حى فى تاريخ شهداء مصر وفى تاريخ العطاء والتضحية للوطن.. أنا حى واسمى مخلد بين أسماء شهداء رجال القوات المسلحة الذين دفعوا حياتهم فداء لمصر.. اخترت أن أشرف اسمك يا أبى وأخترت أن أجعلك يا أمى من نساء أهل الجنة.. واخترت أن أكون شفيعاً بشهادتى لكم يا أهلى، فالشهيد كما قال رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام: «يشفع فى سبعين من أقاربه».
بهذه الكلمات المعبرة ودع الشهيد سعيد حمدى اهله وذويه قبل استشهاده، مما يعنى أنه كان على يقين فى حصوله على شرف الشهادة فى سبيل الوطن.
الحاجة فاطمة عبدالرءوف:
> كيف تلقيت خبر استشهاد ابنك؟
>> نحمد الله على كل شيء، ابنى ليس خسارة فى مصر، وهو دائما كان يحب مصر.. وابنى مش وحيد.. ولاد مصر كلهم ولادى.. دم سعيد هو دم جورج.. بحمد ربنا على كل عطاياه.. سعيد كرمنى فى الدنيا وفى الجنة إن شاء الله.. هو كان ابنى الوحيد.. ومش خسارة فى مصر.. وكان دايما بيسعى فى حب مصر، ويحب لقاء ربنا، علشان كدة ربنا اختاره، واختار له مكانة عالية.. وأنا بفتخرإنى أم الشهيد اللى ضحى عشان ابنه يعيش فى سلام.
> ما هى الرسالة التى تركها الشهيد سعيد وتحتفظين بها؟
>> رسالته عن حبه لوطنه وأنه يضحى فى سبيله هذه الرسالة طبطبت على قلبى بمعنى الكلمة وهونت الكثير من ألم الفراق وعرفت من زملائه أنه كان يحملها فى ملابسه منذ ٦ أشهر قبل استشهاده وقد تأثرت بها كثيراً أنا ووالده.
> ما أكثر جزء من رسالته لايمكنك نسيانه؟
>> أنا أحفظ رسالاته كلها عن ظهر قلب ولا يمكننى نسيان حرف واحد منها، ولكن أكثر جزء أثر فيّ الخاص بكلامه لابنه فارس، حيث قال فيه: يا بنى رحلت عنك وقد لا تتذكرنى وتعرفنى.. ستمضى بك السنون وقد تغفل ملامحى وملامح صوتى ووجهى ولكننى حى بينكم.. اسمى سيظل مرافقاً لك وسيزيدك شرفاً وعزة، فأنت ابن شهيد الوطن.. ستمر بين الناس ويشار إليك أنك ابن من فدى مصر بروحه ودمه.. ستظل روحى ترفرف معك طول حياتك العلمية والعملية.
> هل تمنى الشهيد سعيد أن يكون شهيداً؟
>> نعم تمنى الشهادة، ودار بينى وبينه حوار طويل عن مدى حبه للشهادة ورغبته فيها، وواسانى قبل أن يستشهد وأقنعنى بأن خيار الشهادة هو الأفضل عند الله فى الآخرة، ورسالته تضمنت جزء عن ذلك حين قال فيها: اخترت درب الشهادة والشجاعة، وأريدكم اليوم فى يوم الشهيد أن تحتفلوا باستشهادى وألا تحزنوا.. أنا الشهيد المصرى الذى تحتفى به مصر اليوم، وأنا حى اسمى مُخلد فى تاريخ شهداء مصر وفى تاريخ العطاء والتضحية.
تابعت أم الشهيد: أنا فخورة بأنى أم بطل شجاع، وهو على رأسى مادمت حية.
وليت كل شاب مصرى يدرك معنى الوطن كما أدركه الشهداء.. ليت كل شاب مصرى أن يعلم مدى الخطر الذى يهدد مصر وكيف نحاول أن نتصدى لهذا الخطر.
أنا فقدت ابنى وهو شهيد لكنه نال الشهادة حتى لا نفتقد الوطن.









