الحرب الدائرة الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من الجانب الآخر، لن تتوقف تداعياتها عند انتهائها، فسياسيا سيكون لها تداعيات على المستويين الدولى والإقليمى، ولها تأثير مباشر على معادلة توازن القوى فى المنطقة، فإقليميا تعد إيران أحد أعمدة القوة فى المنطقة سواء اتفقنا أو اختلفنا مع سياساتها، وهذه الحرب ستخل بالتوازن فى ركن مهم من المنطقة، وهذا بالطبع ستكون له تداعياته على المنطقة بأكملها فأى توازن قوى فى أى منطقة من العالم يعتمد بالضرورة على قوى كبرى لها نفوذ قادرة على فرض التوازن، وضمان استقراره والولايات المتحدة بهذه الحرب ستكون فى مواجهة سواء مباشرة أو غير مباشرة مع هذه القوى، وقد ينظر إليه البعض إلى المشهد من زاوية أن إيران استدرجت الولايات المتحدة إلى فخ، فى سياق معادلة التوازن, فلا نستبعد مثلا دخول الصين على الخط، أو أن تقول روسيا كلمتها عند نقطة معينة من الصراع, فكل هذا وارد.
مما لا شك فيه أن المنطقة بعد انتهاء هذه الحرب -ولا نعرف متي- ستدخل مرحلة جديدة أشبه بمخاض عسير، سيعيد رسم خارطة التحالفات وما يستتبعه من تفعيل مخططات ربما تغير ملامح المنطقة برمتها.
الأزمة فى رأيى ليست فى تغيير النظام الإيرانى واستبداله بآخر ولكنها فى مواصفات هذا الآخر الذى سيكون على المزاج الأمريكى الإسرائيلى وتحت طوعه, بمعنى سينتهى مشروع إيران الذى نتحفظ عليه ليصعد مشروع صهيو أمريكى أخطر، يسعى لإعادة تشكيل الإقليم وفق مصالحه.
بالنظر إلى الفارق فى ميزان القوى بين المتحاربين سنجد أنه يميل إلى جبهة الولايات المتحدة وإسرائيل، صحيح أن إيران ليست سهلة ولن تنهزم بسهولة بدليل أنها تقاوم وترد، لكن فى الأخير سيقع من تنفد أسلحته أوبالأحرى» صواريخه»، ما يعنى أن المسألة مسألة وقت، فقد بدأت إسرائيل بدعم الولايات المتحدة باغتيال المرشد الأعلى وعدد من القيادات العسكرية، ورغم ما للمرشد من مكانة سياسية ودينية بالنسبة للإيرانيين، وهذه نقطة تحول مفصلية فى مسار الحرب لكنها لم تحسمها، حيث لا يمكن بالنسبة لأمريكا وإسرائيل تحقيق النصر من دون تغيير بنية النظام وضمان صعود نظام موالٍ لهما، وهذا أيضا قد يتطلب تدخلا عسكريا مباشرا، وهذه «توريطة» كبرى للولايات المتحدة فى ظل مواصلة النظام الإيرانى المقاومة؛ لكن إلى متى سيصمد الأخير وهل سيحدث شىء ما يغيرالمعادلة لصالحه، لا أحد لديه إجابة.
هذه حرب جيوسياسية أيديولوجية بين مشروعين، يطمح كل منهما إلى أن يكون القوة المهيمنة فى المنطقة ويعيد رسم ملامحها على هواه، وفى الأخير من يدفع الفاتورة هم الشعوب أوبالأحرى الفقراء منهم.
يقف الشرق الأوسط اليوم على مفترق طرق، فى ظل وجود مشروع صهيونى أمريكى يطل برأسه يسعى لإعادة رسم ملامح الإقليم والهيمنة على المنطقة وإعادة تشكيلها وفق مصلحته، وتشكيل محور إقليمى جديد تتزعمه إسرائيل برعاية أمريكية، وكثيرا ما صرح بذلك رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو، قائلا نحن نعيد تشكيل الشرق الأوسط, ومن ثم فالهدف الحقيقى لهذه الحرب ليس النووى الإيرانى ولا حتى تغيير النظام الإيرانى، وإنما الهيمنة على المنطقة وإخضاعها وجعلها تحت السيطرة وجاهزة على حسب الحاجة، وإعادة صياغة الترتيبات الإقليمية على الطريقة التى تسمح لإسرائيل بالسيطرة وإبقائها دائما تحت الدعم الأمريكى وفى موقف أقوى من جيرانها.
جيوسياسيا فكل منطقة من العالم لها محاور ارتكاز، أو قوى إقليمية فاعلة من ساكنيها وأصحابها الأصليين وهذه المحاور هى دائما التى تضمن ضبط معادلة القوى عبر تفاعلات تقودها قوى كبرى، لها مصالحها مع هذه المحاور، ولو سألتنى عن رأيى أقول إن إيران محور فاعل فى المنطقة وبغض النظر عن أخطائها السياسية واختلافنا معها, فتماسكها يحقق التوازن ويمنع صعود مخطط معاد ليس لإيران وحدها ولكن للإقليم بأكمله، وإخراجها من المعادلة يفتح الباب لأى مشروع منافس، ويحد من فرص صعود قوى إقليمية ومشاريع عربية وإسلامية تضمن الاستقرار الإقليمى.
حال انتهت الحرب لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فسيكون الشرق الأوسط أمام تحولات كبرى، لا أعتقد أنها ستضمن الاستقرار فيه أوبالأحرى لن تضع المصالح العربية فى الاعتبار فى مقابل المصالح الإسرائيلية ومن ثم فدول المنطقة بأكملها عربية وإسلامية أمام اختبار حقيقى، وعليها التكاتف والتوحد وترك الخلافات الصغيرة جانبا, فمستقبل المنطقة أكبر من أى خلاف بسيط تنهيه مكالمة هاتفية أو لقاء غير مرتب بين زعيمين.









