عندما تقرر شراء سيارة جديدة، فأنت بالقطع تقوم بجولة على الشركات والمعارض وتسأل وتتقصى عن جودة وتاريخ السيارة التى عليها العين، وهنا سيتبارى البائعون فى أن يخبروك بأن سيارتهم مُجرّبة وحمولة ولا تتعب من السير، والمهم أنها «مُجرّبة»، لكن إذا ذهبت لشراء سلاح، مع العلم أن اقتناء سلاح يحتاج ترخيصاً وأوراقاً قانونية، فهل تتوقع أن يقول لك البائع إنه سلاح حديث وتم تجريبه ميدانياً، بالطبع لم يذهب خيالك كمشــتر إلى هذه الإجــابة أبداً!
بحسب الكاتبة الإسرائيلية سابير سلوزكر عمران فى مقال نشرته صحيفة «هآرتس العبرية»، تجمع خلال الأسبوع الماضى مئات الأشخاص لحضور معرض تكنولوجيا الدفاع «إسرائيل 2026» وهو أكبر معرض من هذا النوع فى إسرائيل منذ بدء حرب الإبادة فى قطاع غزة.. تقول الكاتبة وهى قانونية وناشطة فى الدفاع عن حقوق الإنسان إنها عثرت على إعلان للمعرض فى موقع إخبارى اقتصادي، يعلن- من بين أمور أخري- أن المعرض سيعرض تقنيات مجرَّبة قتالياً شكَّلت الصراع الأخير.
صياغة الإعلان تؤطر القتال على أنه إنجاز مهني، أما المقصود بأن هذا السلاح مجرَّب ميدانياً وابتكار تحت النيران، يعنى بوضوح أنه تم اختباره فى وضع حقيقى للغاية، قُتل فيه مئات الأشخاص فى يوم واحد، ليرتفع العدد إلى عشرات الآلاف خلال عامين.. والمقصود بالميدان هنا، غزة التى ذاقت كل صنوف القتل لأكثر من عامين على أيدى جيش الاحتلال الإسرائيلي.
الباعة والمصنعون فى هذا الإعلان الشيطانى الذين يعرضون بضائعهم، يعلنون بلا خجل أن غزة كانت المختبر الذى يمكّنهم منه جنى المزيد من الأرباح، وأنهم تجار سلاح يربحون من الحرب، وأن الأرقام الوحيدة التى تهمهم هى القيمة السوقية لشركاتهم، وبالطبع لم يذكر الإعلان أى إخفاقات لتلك الأنظمة خلال مرحلة التجربة والخطأ، ولا لأخلاقيات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى التى تقلّص دور الإنسان فى اتخاذ القرار وتؤدى إلى قتل غير المقاتلين.
اللغة العنصرية اللا آدمية التى صيغ بها الإعلان، فى رأيى لا تنفصل عن اللغة السائدة مؤخراً من قبل نتنياهو وحكومته وتحالفه من اليمين المتطرف، فهؤلاء جميعهم مجرد باعة متجولين للموت فى الأراضى المحتلة، كل بضاعتهم هى القتل بمختلف أنواعه، كما لا تنفصل هذه اللغة أيضا عن الطموحات الاستعمارية المزعومة والروايات الممجوجة عن إسرائيل الكبرى وأرض الميعاد وما يروجونه عن أحقية إسرائيل فى التهام أراضى جيرانها فى الشرق الأوسط لتتمدد إسرائيل من النيل إلى لفرات، فلطالما ردد نتنياهو هذه الأمانى على أنها مهمة روحية دينية ووطنية ولم يتردد زعيم المعارضة يائير لابيد فى ركوب التريند مؤخراً بمناسبة قرب الانتخابات الإسرائيلية ليتبنى هو الآخر نفس السردية الاستعمارية، بل وصل الأمر إلى أن سفير الولايات المتحدة فى إسرائيل القس مايك هاكابى خرج هو الآخر مؤخراً فى بودكاست مع الإعلامى الأمريكى تاكركارلسون خالعاً كل معاطف الدبلوماسية ليقول إن من حق إسرائيل أن تستولى على الأرض العربية، ضارباً عرض الحائط بكل حديث الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن السلام فى المنطقة.
كل الأديان تعظم حرمة الموت، وديننا الإسلامى يعلمنا أن «من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً»، والإنسان بغض النظر عن جنسيته أو دينه عند الحديث عن القتل يستحضر كونه إنساناً أولاً قبل أى شيء، فيتكلم برهبة وخوف، لكن ما فعله المسوقون لهذا المعرض الإسرائيلى يثبت لك بما لا يدع مجالاً للشك المعنى الحقيقى للفكرة الشيطانية.. ليس فقط فى عالم الإعلان، ولكن فى الحياة عموماً.. فكرة ضد كل تعاليم الأديان وقواعد الأخلاق والإنسانية، فإن تقدم قتل عشرات الآلاف فى غزة بلا جرم أو ذنب ثلثهم تقريباً من الأطفال على أنه ميزة تسويقية، كأنك تبيع مساحيق تجميل أو أجهزة منزلية.. هى فكرة لا يأتى بها إلا شيطان رجيم.
الخلاصة، حديث إسرائيل عن التباهى بقتل الفلسطينيين فى سلاح معروض للبيع فى معرض وتقديمها للقتل بنفس السلاح على أنه حدث بالفعل وهذه ميزة تعزز شراءه، هو نفسه حديثها عن شهيتها الاستعمارية لالتهام الأراضى العربية وتهجير أصحاب الأرض والحديث عن إسرائيل الكبرى على حساب العرب.. إنها نفس العقلية الشيطانية التى لا تعرف سوى الشر.









