هل يمكن أن نحول الزمن لعملة لمقايضة الخلود وللنجاة، سجن الساعة وحرية الفعل كحلٍ لأزمة الوجود الإنسانى فى عصرنا الحديث.. يعنى إذا كان الإنسان مصيره الموت وقد يترك أولادا بلا مال فلمإذا لا يترك لهم الوقت بديلاً عنه ليستفيدوا منه مثل المال!!
كل ذلك ينطلق من وجودنا العابر فى الحياة الذى يقاس بكيفية قضائنا للزمن قبل أن ينفد، نعم نرتكب خطيئة كبرى بتحويل «الزمن» إلى «مال»، وبحبس أعمارنا داخل عقارب الساعة لخدمة الآلة والإنتاج، والنتيجة فقدت اللحظة معناها الإنسانى وتحولت إلى مجرد «تكلفة فرصة بديلة»، بلغة علماء الاقتصاد!
> والسؤال ماذا لو تحرر الزمن من عبودية الورق النقدي؟.. . بل مإذا لو أستعدنا الفلسفة الأرسطية التى ترى أن قيمة الإنسان تكمن فى «الفعل» الذى يخدم الجماعة؟
– هنا تبرز فكرة «بنك الوقت» ليس كآلية اقتصادية فحسب، بل كثورة فلسفية تعيد تعريف الثروة، فهى تفترض أن ساعة من حياة شاب فى مقتبل العمر، توازى فى قيمتها الوجودية ساعة من حياة إنسان فى أرذل العمر.. إنها محاولة للوقوف أمام غول الزمن الذى يلتهم أبناءه، يعنى استثمر شبابك لمشيبك، وهذا يعنى تحويل الوقت إلى جسرٍ من التكافل يربط بين فتوة الشباب ووهن المشيب.
نعم التجربة بدأت فى سويسرا واليابان وقد يبررها البعض بأن الغرب لا يعرف مشاعرنا وقيمنا وتقاليدنا التى نستعيض بها عن مثل هذا الأفكار والإجابة بسيطة، ما يحدث عندنا الآن يشى بالكثير!!.. لذلك يكون السؤال: هل نحتاج لعقد اجتماعى جديد فى قلب المجتمعات العربية، بخاصة فى مصر لمثل هذه الأفكار؟!
نعم.. نحن نمتلك فائضاً من «الزمن الاجتماعي» وفجوة فى «السيولة المادية»، لذلك يأتى بنك الوقت ليملأ هذا الفراغ عبر «الائتمان الإنساني».. والسؤال وكيف سيعمل بنك الوقت؟
– بدلاً من إيداع العملات الورقية، تقوم بإيداع ساعات من الجهد.. ولنقرب الفكرة إلى الأذهان، الشاب الذى يمنح ساعتين من وقته لتعليم طفل أو رعاية مسن، لا «ينفق» وقته هباء، بل «يدخره» فى خزينة الزمن والمجتمع.. .
سيرد البعض: قيمنا الاجتماعية والدينية تتكفل بذلك!!، والرد بسيط ليكن، لكن التغيرات الاجتماعية التى تربط كل شيء بالمال الآن قد تكون دافعا للتعامل مع البعض من خلال هذا النظام «بنك الوقت» الذى يكسر حدة المادية التى نهشت الروابط الأسرية، فهو يحول «الجدعنة» و»الشهامة « المصرية من فعلٍ عابر قد يُنسى، إلى رصيدٍ بنكى موثق يضمن للفرد كرامته حين تضعف قوته.
يعنى إنها «مقايضة حيوية» تضمن استمرارية الحياة، فالطاقة التى يبذلها الشاب اليوم هى ذاتها الرعاية التى سيتلقاها غداً، مما يخلق دورة حياة لا تعرف الإفلاس، لأن عملتها هى «الوقت» لا «الذهب»، والوقت يعادل الفلوس باللغة التى يفهمها البعض.. وإذا كانت الفكرة تعتمد على العمل، فقيمته ستتزايد مثل المال مع الزمن، وهذا يضعنا طبعاً أمام التحدى الوجودى بالسؤال: و«هل نثق فى الغد»؟
– الإجابة تكمن فى التحدى الحقيقى أمام تطبيق «بنك الوقت» فى منطقتنا، ليس بشكل تقنى فحسب لكن بتحدى «الثقة»واختراق الثقافة الشعبيية، فإذا كان المثل الشعبى يقول «اصرف ما فى الجيب يأتيك ما فى الغيب»، ليكن المقابل على لسان حال بنك الوقت «استثمر ما فى الصغر، تجده فى الكبر».
وإذا كانت الروابط الاجتماعية قوية كما يظن البعض فلماذا لا نوجد إطار تنظيمى حديث لمن لايضمن استمرارها، بمعنى اخر كيف نحول الفكرة لواقع مادي؟!
فى البداية لنسمِ هذا المشروع «رصيد الخير، أو بنك الخير» »Khair Bank« أو بنك الزمن العربي
ولنصنع تطبيقاً ذكياً اليكترونيا لهذا البنك يربط بين الأجيال، ويحول «الجدعنة» الفطرية إلى نظام موثق يضمن حقك فى المستقبل.. تخيل شاباً اسمه «أحمد» يسكن فى القاهرة، محترف فى البرمجة، يقدم ساعتين أسبوعياً لتعليم مبادئ الكمبيوتر والبرمجة لأبناء منطقته، أو يساعد جاراً مسناً فى شراء الأدوية.. ومن خلال التطبيق، يتم مسح «QR Code» موثق ماينفقه من وقت فى حسابه فى بنك الزمن بعد تقديمه وبذلك يضاف إلى الرصيد فى محفظة أحمد الإلكترونية «ساعتان من الزمن» معتمدة من بنك الوقت.. بعد 30 عاماً، يصبح أحمد فى سن الـ 70 ويحتاج لمساعدة أو خدمة يسحبها من رصيده فى بنك الوقت فى صورة شخص يرافقه لزيارة الطبيب أو من يساعده فى إصلاح عطل بالمنزل.. وهذا الشخص لا يتطوع لتقديم الخدمة بلا مقابل بل تتحول إلى رصيد له بعد سحبه من رصيد احمد القديم ونقلها لمحفظة الشاب الجديد.. نعم بنك الوقت هو تحويل «الصدقة الجارية» إلى «استثمار جارٍ» يحمى كرامة الإنسان عند الكبر.. وتتعدد الخدمات المطلوبة مثل التمريض، التعليم، الصيانة، اداء المشاوير، تبديد الوحدة، وحتى نضمن مستوى الجودة يقاس ذلك من خلال مقياس ضمان الجودة بتقييم الـ»نجوم« للرجل المسن لضمان أمان وجودة الخدمة المقدمة.
ويمكن توريث الرصيد أو تحويله مثل الأموال من خلال محفظة الأجيال بـ»إهداء» ساعاتك لوالديك أو أجدادك إذا كانوا لا يملكون رصيداً أو الشراء من رصيد الآخرين!!
ولضمان المشروع على الدولة ان تتدخل شريكا فى التأمين الزمنى من خلال صندوق تدعمه الدولة أو الجمعيات الكبرى لضمان وجود متطوعين حتى لو نفد رصيد الشخص.. ويكون السؤال هل يمكن ان تنجح هذه الفكرة فى عالمنا العربي؟!
أقول نعم لإنها ستضاف إلى القيم والتقاليد الموجودة التى تتآكل، وتضاف لثقافة التطوع وحب المساعدة بالفطرة، لكن سيجعل هذا النظام المساعدة فى صورة «منظمة» وليست مجرد صدفة.
وإذا كان الاباء يعانون الآن من هجر الأبناء اما بالسفر للخارج أو الداخل!!، فقد يمكنهم هذا النظام «شراء» ساعات زمنية من متطوعين لرعاية والديهم وهنا يمكن دمج المال مع الوقت والعمل وبالطبع يمكن ان تشارك المراكز الدينية والاجتماعية مثل المساجد والكنائس والنوادى الرياضية كنقاط «إيداع» موثوقة للخدمات.
بنك الوقت هو الصرخة الأخيرة فى وجه التشيء الإنساني، هو اعتراف صريح بأننا مهما جمعنا من مال، سنظل فقراء إذا لم نجد يداً تمسك بأيدينا حين يثقل الخطو ولا تقدر على حملنا الأقدام.. بنك الوقت هوالنظام الذى يجعل من «العمر» ثروة لا تنضب، ومن «الشيخوخة» فصلاً من الحصاد لا فصلاً من العزلة.. فى هذا البنك، نحن جميعاً «أثرياء» بما قدمنا وما نملكه من لحظات، والرابح الأكبر هو من أدرك أن أغلى ما يملكه ليس فى محفظته، بل فى ساعته التى يهبها للآخرين.









