تتجذر العلاقات المصرية – السعودية فى أعماق التاريخ، ممتدة عبر عقود من التضامن والمصير المشترك الذى جعل من القاهرة والرياض صمام الأمان الحقيقى لمنطقة الشرق الأوسط. ولم تكن الزيارة الأخوية الأخيرة التى قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى مدينة جدة، ولقاؤه بأخيه الأمير محمد بن سلمان، ولى عهد المملكة رئيس مجلس الوزراء، مجرد إجراء بروتوكولي، بل كانت تجسيداً حياً لعمق هذه الشراكة الإستراتيجية التى تتجاوز فى أبعادها المصالح الثنائية لتشمل صياغة مستقبل المنطقة بأسرها.
إن الاحتفاء بذكرى «يوم التأسيس» للمملكة العربية السعودية، الذى واكب زيارة الرئيس السيسي، يحمل دلالات رمزية عميقة.
لقد أكد الزعيمان خلال مباحثاتهما بجدة على «محورية العلاقات الراسخة»، وشدد على ضرورة دفع التعاون الثنائى فى كافة المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية. هذا التناغم يمثل ضرورة وجودية فى ظل الاضطرابات التى تعصف بالمنطقة..
فى قلب هذا التنسيق الإستراتيجي، تظل القضية الفلسطينية هى البوصلة المحركة للدبلوماسية فى القاهرة والرياض. وقد جاء البيان المشترك الذى شارك فيه وزيرا خارجية مصر والسعودية، إلى جانب ائتلاف دولى واسع يضم فرنسا والبرازيل وتركيا وقطر والعديد من الدول الأوروبية والإسلامية، ليرسم خطاً أحمر أمام الممارسات الإسرائيلية الأخيرة فى الضفة الغربية.
إن إدانة هذا الحشد الدولى للقرارات الإسرائيلية الرامية لتوسيع السيطرة غير القانونية، وإعادة تصنيف الأراضى الفلسطينية كـ «أراضى دولة»، وتسريع النشاط الاستيطاني، ليس مجرد موقف سياسى عابر، إنه إعلان صريح بأن العالم بأسره، وبقيادة عربية رصينة، يرفض «الضم الفعلي» للأرض الفلسطينية.
لقد كان البيان واضحاً فى اعتبار هذه التحركات انتهاكاً صارخاً للقانون الدولى وقرارات مجلس الأمن والرأى الاستشارى لمحكمة العدل الدولية لعام 2024، إن المضى فى مشروع «E1» الاستيطانى يمثل هجوماً مباشراً على مقومات قيام الدولة الفلسطينية.
لا يمكن فصل التصعيد فى الضفة الغربية عما يشهده قطاع غزة. إن الرؤية المشتركة التى طرحها الرئيس السيسى والأمير محمد بن سلمان فى جدة تضع خارطة طريق واضحة، وهى حماية الشعب الفلسطينى من أى محاولات لاقتلاعه من أرضه. مطالبة إسرائيل بفك الحجز عن أموال السلطة الفلسطينية لضمان استمرار الخدمات الأساسية. تحويل غزة من ساحة صراع إلى ورشة عمل للتعافى المبكر وتنفيذ حل الدولتين وفقاً لخطوط الرابع من يونيو 1967، وبما يتماشى مع مبادرة السلام العربية.
إن الرسالة التى انطلقت من القاهرة والرياض، مدعومة بإرادة دولية واسعة، هى أن السلام والاستقرار فى الشرق الأوسط ليس مجرد خيار، بل هو «حتمية إقليمية». إن التعايش بين شعوب المنطقة لا يمكن أن يتحقق فى ظل سياسات الاستيطان والضم والعنف، بل من خلال إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة.
ستظل مصر والمملكة العربية السعودية الركيزتين اللتين يستند إليهما العمل العربى المشترك.. إن تكثيف التشاور والتنسيق السياسى بين البلدين فى هذه المرحلة الدقيقة يبعث برسالة طمأنة للشعوب العربية، مفادها أن هناك قيادة واعية تدرك حجم التحديات، وتمتلك من الأدوات الدبلوماسية والإستراتيجية ما يكفى للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وحماية الحقوق التاريخية، والعبور بالمنطقة نحو مستقبل يسوده السلام والازدهار.









