احتضن المتحف القومى للحضارة المصرية بالفسطاط حفل ختام فعاليات الموسم الرابع من مبادرة «طبلية مصر» التى لم تعد مجرد نشاط متحفى، بل عمل ثقافى هدفه المحافظة على الهوية المصرية من خلال «لقمة العيش» وما تحمله من حكايات تمتد لآلاف السنين، وأن الطعام ليس مجرد وسيلة للبقاء، بل لغة حضارية تستحق التوثيق والحماية، وبين جدران المتحف حيث يهمس التاريخ فى أذن الحاضر، لم تكن «طبلية مصر» مجرد مبادرة رسمية أطلقتها أروقة المتحف، بل كانت أشبه بآلة زمن خشبية مستديرة، تلتف حولها أرواح المصريين من كل العصور.
أكد د.الطيب عباس، الرئيس التنفيذى لهيئة المتحف، أن المطبخ المصرى يمثل ركيزة أساسية فى التراث الثقافى غير المادى، والطبلية رمز مصرى خالص للتجمع الأسرى، وأداة لا توجد بنفس تصميمها وقيمتها فى أى دولة أخرى بالعالم، وأن مبادرة طبلية مصر تسلط الضوء على ثراء المائدة المصرية، وقد توجت هذه الجهود الوطنية بخطوات ملموسة، أبرزها دعم إعلان منظمة اليونسكو إدراج «الكشرى المصرى» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافى غير المادى لعام 2025، مما يعزز مكانة مصر الدولية فى هذا المجال، وتؤكد هذه المبادرة الدور المجتمعى للمتحف القومى للحضارة المصرية فى حماية الموروث الثقافى وضمان انتقاله للأجيال القادمة كعنصر فخر وطنى.
فيما استعرضت د.نشوى جابر، نائب رئيس المتحف للشئون الأثرية، ورش العمل حول الملكية الفكرية بعنوان «أصل الطبخة حكاية إرث وحماية سر»، لضمان حقوق مصر فى أكلاتها الشعبية ضد محاولات السطو الثقافى، ومؤتمر «أكلات وذكريات» الذى تناول سياحة الطعام وحكايات الشيفات، وحلقات نقاشية حول «الأكل فى روايات نجيب محفوظ والأدب المصرى»، موضحة أن ثقافة «أكل الشارع» فى مصر بدأت فى العصور الوسطى «القاهرة المملوكية» كضرورة اجتماعية لمن لا يملكون مطابخ فى بيوتهم، ثم تحولت بمرور الزمن إلى تراث حى، فعربات الطعام تمثل ذاكرة موسمية؛ فالبطاطا رمز للشتاء، و«الدندرمة» «الآيس كريم الشعبى» أيقونة للصيف، مشيرة إلى أن المبادرة أبرزت اهتماماً خاصاً بالأطفال وذوى الهمم عبر قسم التربية المتحفية، من خلال أنشطة مختلفة مثل ورشة «هناكل إيه النهاردة» وأعمال فنية بمكونات الكشرى، وبرنامج الشيف المصرى الصغير لتعريف الأجيال الجديدة بقيمة الغذاء الصحى وبدائله التراثية.
«طبلية مصر» انطلقت بجهود «هند طه، ماريان عادل، ملك الخادم، نورهان عادل، هبة عبد القادر»، وأثبتن أن الحفاظ على الهوية يبدأ من تقدير التفاصيل اليومية البسيطة، وهى ليست مجرد احتفال بالطعام، بل إعلان صريح أن المطبخ المصرى حصن من حصون الهوية الوطنية وجسر سياحى واقتصادى واعد للمستقبل.
بدأت الحكاية شتاء 2023، حين كانت رياح الأزمات الاقتصادية العالمية تهب على الموائد، وهناك فى قلب المتحف، وُلدت فكرة «لماذا لا نعود إلى الجذور؟»، ولم يكن الهدف سد الجوع، بل حماية «اللقمة» التى سجلت تاريخنا قبل أن تكتبه الأقلام، وكيف أصبح «الكشك» يُنسب لغير أهله؟!، وكيف كادت «البصارة» و«الشلولو» تصبح طى النسيان، ومن هنا وُضعت أول «طبلية» فى قلب الفسطاط، لا ليجلس عليها الملوك، بل يلتف حولها الأثريون والباحثون والأمهات، يفتشون فى أوانى الفخار عن سر البقاء، لترسيخ مفهوم «ثقافة الغذاء» كجزء أصيل من التراث غير المادى، ومواجهة الأزمات الاقتصادية بالعودة لآكلات «على قد الإيد» «البصارة، العدس، الشلولو»، وفى المواسم التالية «الثانى والثالث والرابع»، تحول المتحف إلى «خلية نحل» تفوح منها رائحة العيش الشمسى فى زوايا قاعة النسيج، نُصبت خيمة «ع الطبلية»، حيث عُرضت حبات قمح وفواكه محنطة، صمدت لآلاف السنين.









