يتكرر هذه الأيام الحديث عن شهر رمضان المعظم على أنه من الاشهر الحرم، بل أن مثل هذا الكلام يأتى فى مقالات تنشر فى الصحف وحوارات فى الفضائيات من شخصيات مشهورة.
والحقيقة أن شهر رمضان على ما فيه من الخير، وعلى ما منّ الله به على أيامه من بركة وتكريم، ومغفرة وعفو ففيه ليلة القدر ونزل فيه القرآن الكريم بل نزلت به كل الكتب السماوية وكان زمنا لانتصارات المسلمين على مدى تاريخهم ففيه انتصارهم فى بدر وفيه فتحت مكة وانتصار حطين وانتصار أكتوبر فى العاشر من رمضان الى آخر المكارم الخاصة به إلا أنه ليس من الأشهر الحرم، التى هى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب «مضر» وهو ما جاء فى خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع التى يطيب للبعض أن يسمى الخطبة خطبة الوداع ربما لأنها حملت من الوصايا والتأكيد على أمور مهمة ما بدا منها أنها وصية مودع، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الزمان استدار كهيئته يوم أن خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب «مضر» الذى بين جمادى وشعبان».
أما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان» لأن قبيلة ربيعة كانت تحرم شهر رمضان ويسمونه رجبًا وكانت «مضر» تحرم رجب الحقيقى لذلك حرص الرسول على تحديد الشهر المقصود بعلاماته وحدوده فقال ذلك.
وقد ذهب المفسرون إلى أن الآثام فى هذه الاشهر الحرم يتضاعف حسابها مثلما تتضاعف حسنات الصالحات قياسا على من أحسن فى البلد الحرام أو أساء فإنه يتضاعف حسناته أو سيئاته يقول تعالى عمن يسيء ويذنب فى البلد الحرام: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ» الحج الآية 25.
كما رأى بعض الفقهاء تغليظ الديات فى جرائم القتل لأن الجريمة تتم فى زمن به رخصة الأمن للجميع: مجرم أو محسن.
وبالتالى فإن القاتل يرتكب جريمتين جريمة القتل وجريمة خيانة الاتفاق العام وذلك قبل الإسلام أما بعد الإسلام فإنه يرتكب خروجا على تحذير خاص من الله سبحانه وتعالى أى يخرق حرمة الشهر كذلك من ارتكب محرما فى البلد الحرام يكون قد ارتكب جريمتين جريمة الحرام الذى ارتكبه وجريمة ارتكاب الجريمة فى بيت الله وفى ضيافته سبحانه وتعالى كذلك من اعتدى على آمن بالحرم بل على طير من طيور الحرم فقد اعتدى فى مكان لا يجوز لأحد أن يشعر فيه بخوف أو ترويع.
حرمة الأشهر الحرم قديمة من قبل الاسلام وقد استقر العرب على حرمتها وقد تكون حرمتها من أيام أبيهم إبراهيم عليه السلام لكى يتيسر للقبائل الحج والتجارة وقضاء المصالح التى تمنعهم الثارات من قضائها وما أحوج العالم كله إلى العودة إلى هذه الفضيلة حتى يستقر لأشهر قليلة من سفك الدماء والصراعات التى يروح ضحيتها البسطاء من الناس نتيجة أطماع اقتصادية ومؤامرات لا علاقة الشعوب بها إلا أنها تتحمل نتائجها وآثارها.









