تناولنا فى المقال السابق أنه فى عملية السرد يمكن للأشياء أن تتحول عن أصلها، وهو ما تستند عليه أدوات حروب الجيل الرابع التى تعتمد على مبدأ «تسخير إرادات الآخرين».. واستغلال الانقسامات المجتمعية والحروب بالوكالة.. وكذلك حروب الجيل الخامس التى تعتمد على أدوات غير حركية، بهدف تدمير الدولة من الداخل، ليبقى الرهان على أن الوعى الجمعى للشعوب، يمثل أساس الاستقرار، وأن التأصيل النظرى أداة تحليلية لفهم التحديات المصرية، وهو ما عجل بالإسراع بتدشين السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، من أجل التحول إلى نموذج اقتصادى قائم على تكامل الأولويات وترابطها، عبر محاور رئيسية تشمل تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي، وزيادة القدرة التنافسية الاقتصادية، عبر أدوات تكنولوجية متقدمة، وهو ما يتطلب استثمارات كبيرة فى الأمن السيبرانى ورقابة المعلومات، والذى لم يعد مسألة تقنية فقط، بل أصبح قضية أمن قومى تؤثر على السياسة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، لذلك يمثل الاستثمار فى الأمن السيبرانى أولوية إستراتيجية لضمان حماية سيادة الدول وتعزيز مكانتها، مما يرسخ دور التكنولوجيا كقوة محركة فى صياغة ملامح المستقبل، الذى أصبحت فيه البيانات الرقمية والبنية التحتية الإلكترونية جزءًا لايتجزأ من مؤسسات الدولة، والتى أصبحت فيه عرضة للهجمات السيبرانية بشكل متزايد، ولهذا فإن الأمن السيبرانى فى هذا السياق ليس مجرد وسيلة لحماية الأنظمة من التهديدات، بل هو ضمان لاستمرارية العمليات الحكومية ومنع توقف الخدمات الأساسية، لذا نأمل أن تقوم الدول بالاجتهاد بوضع سياسات وقوانين تضمن حماية البيانات والبنية التحتية الرقمية لها، لأن البنية التحتية الرقمية للدول باتت اليوم بمثابة «حدود إلكترونية» جديدة، حيث أمن الشبكات والمعلومات لا يقل أهمية عن حماية الحدود الجغرافية.. وهذا يعنى أن الدول بحاجة إلى تطوير قدرات متقدمة لرصد الهجمات، إدارة الأزمات، والاستجابة الفورية لأى تهديد إلكتروني.. ومن هنا، ومع بدء مرحلة جديدة بحكومة جديدة فإن الدولة المصرية تحتاج إلى بناء إستراتيجية أمن سيبرانى تشمل تطوير الكوادر البشرية المتخصصة، وتعزيز التعاون الدولي، والاستثمار فى الأبحاث والتقنيات المتقدمة. ويجب أن تتضمن هذه الإستراتيجية أيضاً سن قوانين صارمة لحماية البيانات، إلى جانب تعزيز الوعى المجتمعى حول مخاطر الهجمات الإلكترونية، وبالتالى فإن الخطوة الأهم للحكومة المصرية أن تعكف حالياً على معرفة حجم ما هو ضرورى للاستثمار فى الأمن السيبراني؟ والى أى مدى هو كاف؟ من خلال تحليل إستراتيجيات الأمن السيبرانى على المستوى الوطني، مع عدم إغفال علم المحاسبة متمثلاً فى محاولة قياس تكلفة إنعدام الأمن السيبراني، وتقييم الكفاءة والحوافز الاقتصادية.. حيث يخسر الاقتصاد العالمى على سبيل المثال ما يقدر بتريليون دولار سنويا كل عام من الجريمة الإلكترونية وهو ما يعادل 1,4 ٪ من الناتج المجلى الإجمالى لدول العالم، ويعبر ذلك التهديد عن أكبر عملية نقل للثروة فى التاريخ البشرى من مكان إلى مكان آخر ومن فاعل إلى فاعل جديد.. وبالتالى يجب أن يكون توجه الحكومة الحالية متسقاً مع توجهات السيد الرئيس السيسى التى تهدف إلى زيادة تنافسية الاقتصاد الوطني، والذى يتحقق بإمكانية الوصول الى مستويات أعلى من الأمن السيبرانى الذى سيوفر للاقتصاد ميزة تنافسية لأنه سيوفر بيئة مشجعة للنمو والاستثمار الأجنبى ويمنحها المصداقية والثقة.. وبالتالى فإننا نرى ضرورة العمل على دعم مشاركة أصحاب المصلحة فى عملية دعم الأمن السيبراني، وتحديد الأدوار والمسئوليات.









