لم تعد مكانة الأمم تقاس بما تملكه تحت الأرض، بل بما تصنعه فوقها. ولم يعد الرخاء هدية الطبيعة، بل ثمرة العقل ونتيجة العمل. لذلك اوجه تحية تقدير لدولة رئيس الوزراء لتصريحه مؤخرا بأن مصر تتجه لتكون أرضا للعلم والابتكار فهذا ليس مجرد عبارة سياسية، بل إعلان عن طريق التقدم.. طريق يبدأ من الإنسان قبل الحجر، ومن العقل قبل البنيان.
الدول الكبري لا تتفوق لأنها تستهلك أكثر، بل لأنها تفكر أكثر وتنتج أكثر. تنتج المعرفة، وتحول الفكرة إلي سلعة، والخيال إلي صناعة، والعلم إلي قوة. أما المجتمعات التي تكتفي بالنقل والتقليد والاستهلاك، فسوف تبقي دائما في مقاعد المتفرجين. من هنا يصبح السؤال الأهم وهو كيف نبني عقلا قادرا علي الابتكار؟ وكيف يتحول الذكاء من صفة فردية إلي ثقافة وطن؟
وهنا لابد أن نتوقف أمام معني ومفهوم الذكاء. بالقطع هو ليس مجموع الدرجات في الشهادات، ولا عدد سنوات الدراسة، ولا حتي النجاح الوظيفي. الذكاء هو القدرة علي الفهم، والربط، والتخيل، واتخاذ القرار، والتكيف مع المتغيرات. هو مرونة العقل حين يواجه جديدا، وهو شرارة السؤال قبل حفظ الإجابة.
والذكاء ليس حكرا علي الإنسان وحده؛ فالكائنات الحية كلها بما فيها النبات تمتلك صورا من «الذكاء البيولوجي» والذي يمكنها من البقاء. لكن الإنسان يتميز بقدرة فريدة بأن يستطيع أن يطور ذكاءه بنفسه، وأن يصنع بيئة تنمية.. وهنا يبرز سؤالا أهم: هل يولد الإنسان ذكيا أم أنه هو الذي يصنع ذكائه؟ الذكاء بذرة.. لكن البيئة هي التربة التي تنمو فيها. فقد يولد الطفل باستعداد واعد، لكن المناخ الحضاري والتربية الواعية داخل المنزل وفي المدرسة هي المياه التي تسقي هذه النبتة.. أما بيئة الإهمال وإنعدام القيم وغياب الحوار والخوف من الخطأ، أو الاكتفاء بالحفظ، أو كبت الفضول، فهي كفيلة بإطفاء شرارة كان يمكن أن تضيء مستقبلاً.
كم من طفل لا يظهر ذكاؤه في كراسة الامتحان، لكنه يظهر في سؤال غير متوقع، أو ملاحظة دقيقة، أو قدرة علي ربط ما لا يبدو مترابطا. هذه اللحظات الصغيرة هي إشارات العقول المبتكرة.. بشرط أن تجد من يراها ويحتضنها.
لكن الذكاء وحده لا يكفي. فالابتكار يحتاج إلي الرغبة في الإبداع.. إلي مساحة آمنة من الأمل.. إلي مجتمع متطلع الي الرقي والتقدم.. المجتمع كله.. لا يكتفي بالحياة ولكن يريد دائما أن ينميها.. يستثمر كل فكر مخلص.. ويتعلم من الأخطاء ويحولها إلي معرفة.. الرحلة الحقيقية للإنسان المبدع تبدأ من البيت، ثم المدرسة، ثم المجتمع. فحين يشعر الطفل بقيمته، وحين يكتسب صورة ذاتية إيجابية، ينطلق بطاقته كاملة إلي مدار التميز والإبداع.. أما الاحباط المتكرر فهو العدو الصامت الذي يخنق المواهب قبل أن تولد.
وحين تقول مصر إنها تتجه نحو العلم والابتكار، فهي في الحقيقة تعلن مشروعا لبناء الإنسان قبل أي شيء. تعليم يشجع التفكير لا التلقين، بيئة تحترم السؤال وتدعم الانتماء وتدفع إلي المشاركة المجتمعية الإيجابية، ثقافة تري في الخطأ خطوة لا وصمة، ومجتمع يؤمن أن الاستثمار الحقيقي هو في العقول.
عندها فقط يتحول الابتكار من شعار إلي أسلوب حياة.. ومن حلم إلي واقع.. ومن كلمة في خطاب إلي قوة تصنع المستقبل.









