تلقيت دعوة كريمة من صديق فى كفر الشيخ، بلد الكرم والسمك والبطيخ والقرع والناس اللى وشهم يرد الروح. ولأنى من بتوع زمان «دقة قديمة»، قررت أذهب له بالأوتوبيس المكيف، أسترجع ذكريات السفر الرايق، وأتأمل خضرة الطريق الزراعى والهوا النضيف.
فتحت تليفونى، وشحنت الباقة اللى بقت بتطير بسرعة النفاثة، ودخلت على الموقع الرسمى لشركة «غرب ووسط الدلتا». كتبت الوجهة: بلقاس، بيلا.. ومنها انتقل إلى الجرايدة. فجأة، جات لى رسالة سريعة وحاسمة «لا توجد رحلات».
قلت فى عقلى: «احتمال اتأخرت فى الحجز وكل الرحلات خلصت أو المواعيد المسائية غير متاحة. جربت تانى يوم. والرد هو هو، بارد وسخيف: «لا توجد رحلات».
اضطررت أركب للمنصورة، ومن هناك صديقى بعت لى عربية. وإحنا ماشيين، طلبت من السائق نعدى على موقف «بلقاس» القديم. لقيت المحطة واقفة زى «أبو الهول»، شامخة بس مهجورة، والحيطان ساكنة فيها الأشباح. لاأوتوبيس بيسخن، ولا سواق بينادى، ولا حتى صبى يشيل الشنط ولا توك توك منتظر الركاب.. صمت رهيب.
وبعد يومين، جه وقت الوداع، قلت أمر على محطة «بيلا». المبنى لسه شامخ، واللافتة لسه بتلمع، لكن «يا حسرة». لاجدول مواعيد، ولا صوت ميكروفون بـ»القاهرة يا حضرات»، ولا ريحة سولار تملى المكان.
صديقى بص لى وضحك ضحكة فيها مرارة وقال: « فوق.. أيامك راحت، والأوتوبيسات سافرت وما رجعتش، وبقينا رهن إشارة الميكروباص من فترة طويلة وللأسف أنت آخر من يعلم».
.. الآن غالبية المحطات تلال فارغة مبان مهجورة ليس فيها أتوبيسات ولا ركاب ..الشركة أوقفت غالبية المحطات واكتفت بمحطات عواصم المحافظات وهنا سألت نفسى: ليه؟ ومين العبقرى اللى قرر يلغى رحلات شعب كامل من وإلى القاهرة «سكتى بكتمي»؟ ومين اللى أقنع المسئولين إن الميكروباص والسرفيس هما البديل الآمن لعربيات الدولة اللى كنا بنحس فيها بآدميتنا؟
يا سادة، كفر الشيخ والدقهلية وغيرها مش مجرد نقط على الخريطة، دى ناس بتشتغل وتدرس وتتعالج فى القاهرة. يوم الخميس، الناس بتلم شنطها وقلوبها طايرة عشان تلحق «لمة العيلة»، ويوم الأحد الفجر، بيلموا نفسهم عشان يلحقوا «لقمة العيش».
الحل بسيط ومش محتاج «لجنة» ولا «دراسة جدوى». إذا كانت تكلفة التشغيل طوال الأسبوع تكبد الشركة خسائر، رجّعوا لنا رحلة واحدة يوم الخميس مساءً من القاهرة لمدن الدلتا المختلفة، ورحلة واحدة بس فجر الأحد من الدلتا للقاهرة. رحلتين فى الأسبوع مش «هيفلسوا» الشركة، لكن هيرجعوا لملايين الغلابة الأمل إنهم لسه مواطنين، مش مجرد رقم مركون فى ملف «تم إلغاء الخدمة».
وأخيراً قبل أن أركب الميكروباص عودا إلى القاهرة كان لابد ان أسأل أوتوبيساتنا راحت فين؟ الإجابة عندكم يامسئولين، والحل برضه فى إيدكم. نفذوه، قبل ما ننسى شكل الأوتوبيس، وننسى معاه طعم السفر اللى بـ «جد».









