أيام قليلة تفصلنا عن شهر رمضان الكريم.. تنتشر الزينة وتتلألأ الأنوار.. ويمر أمام الجميع شريط من الذكريات عن حكايات رمضانية بطعم الأصالة لحقها بعض الشباب حيث البساطة فى السلوك والسعادة فى اللمة وتفاصيل تكاد تتشابه وإن اختلفت الأسر أو تباعدت الأماكن.
ثم جاءت أجيال لاحقة أصغر سنا، رمضان الذى تعرفه اختلفت مظاهره ليكون «تريند متنوعاً» من طعام أقرب للافتكاسات إلى ملابس تتحول إلى كرنفالات، حتى الزينة الورقية تحولت إلى أضواء لامعة والفانوس الصاج تراجع أمام الصينى سواء لعب أو ديكورات.
عندما يستمع الجيل الجديد لحكايات الشباب الذين عاصروا رمضان الأصيل، قد يستغربون من حالة الحنين التى تجعلهم لا ينتمون لشكله «الحالي» بينما يرى الآخرون فى احتفالهم الصاخب طعما يميز الشهر الفضيل عن باقى العام..
هل السبب السوشيال ميديا التى حولت الحياة إلى مسرح يشاهده الجميع «لايف» فيراقب ويقارن أم أن رمضان يحتفظ بأصالته وروحانياته التى تحمى من أخطار التريند وتتصدى للتشويه ؟يالا شباب.. تأخذكم فى جولة بين الأجيال.. نبحث فيها عن روح رمضان ومظاهره التى اختلفت من البساطة للمبالغة وحكايات بطعم الذكريات تتحدى التريند و»اللايكات»!
تجديد أم تشويه؟
ضحى هانى -اقتصاد وعلوم سياسية
رمضان أصبح أكثر تعقيداً من أيام الطفولة وحتى استقباله تحول لأعباء مادية تؤثر على إحساسنا بروحانياته، مثلاً أكلاته الشهيرة طالها التجديد لدرجة التشويه من الكنافة بالكريمة إلى «البيستاشيو» ومؤثرون على السوشيال ميديا يروجون لكل هذه الاختراعات وشباب لديه فضول أن يجرب التريند..
حتى استقبال الشهر لم يعد يكفيه الفانوس الصاج بل روجوا لبوكس رمضان بمكوناته المتوافرة فى كل بيت: سجادة صلاة- سبحة- مصحف- فانوس وأحيانا الياميش.. ومن لا يشتريه يشعر أنه أقل من غيره وتحول إلى واجب بدرجة عبء لا سيما بين الأصدقاء والمخطوبين.. باختصار: تحويل رمضان لشهر استهلاكى بامتياز أفقده الكثير من معانيه.
وتذكرنا أميرة سالم- آداب إعلام حلوان- بزينة رمضان.. يتنافس على الابتكار فيها شباب الحى ويصنعونها بأنفسهم من الورق قبل أن تتحول للأنوار الزاعقة.
ومن زينة الشوارع إلى زينة البنات وانتشار»عبايات» أو «قفطان « رمضان للعزومات والخروجات ولو لم تفعل ذلك تشعر بالاختلاف، حتى التراويح -طعم رمضان الحقيقي- تأثرت بالمظاهر فلم يعد الهدف أداء الصلاة فى خشوع بل تحول إلى التباهى بزيارة المسجد الشهير على الفيس بوك وأحياناً اصطياد العرسان أو اختيار العرائس.
أما عزومات رمضان فحدث ولا حرج من «لقمة هنية تكفى مية» إلى استعراض للأكل والمشروبات والحلويات وحتى أطباق التقديم وديكورات المنزل الرمضانية لتفقد العزومة هدفها الأساسى فى تجمع الأقارب والأحباب.
مسلسلات وبرامج زمان
يرصد محمد رسلان – ليسانس آداب دمنهور- تغير الخريطة الرمضانية بعد أن كانت تتسم بالتوازن بين الجرعة الدينية والروحانية والمتعة والتسلية فمن ينسى تفسير الشيخ الشعراوى والمسلسلات والبرامج الدينية وفى المقابل الكاميرا الخفية وحلقات زكية زكريا المضحكة وبرامج المقالب التى تتسم باللطف بعكس برامج اليوم ساحة تنتشر فيها النميمة والعنف والألفاظ الخادشة للحياء ويضيف.. أن حتى جدول رمضان كان يراعى ألا تحتل مساحة المسلسلات أو البرامج أغلب اليوم مما يؤثر على شهر العبادة أما الآن فالمسلسلات بلا عدد والسوشيال ميديا تناقش الأحداث يومياً وتجبرك على الانحياز للقصة الفلانية أو النجم الفلانى لذلك يجد الشباب أنفسهم ورمضانهم الذى يرتاحون فيه فى برامج ماسبيرو زمان ويستعيدون ذكريات غالية.
شهر عائلى بامتياز
ترى ايمان محمد -ربة منزل- أن رمضان يحافظ على روحه باعتباره شهراً عائلياً بامتياز.. يجتمع فيه الأهل والأصحاب على الإفطار أو السحور وأيضاً يتنافسون فى الإطعام أو وجبات الخير ومهما تغيرت المكونات تبقى النية الطيبة فى إفطار صائم المهم أن نجمع بين الخير والترشيد بحيث نبتعد عن تصنيف السوشيال ميديا ومجاراة ما يحدث فيها بالاستدانة أو التقسيط!
نكهة مصرية
وبالنسبة للمغتربين مثل وائل ربيعى الذى يعيش بأمريكا، لا يشعر بطعم رمضان إلا بمصر حيث الزينة والفوانيس ورغم وجود محلات بالغربة تقلد الطابع المصرى لكن يبقى الحنين لرمضان بلدنا وتحرص الجالية المصرية على أجواء الشهر من زينة وإفطار جماعي..
وفى كل زيارة للوطن يلمس تغييراً عن رمضان الذى يعرفه حيث التريند الذى يقلده بعض الشباب دون أن يفكر فى معناه أو جدواه ولكن ومع ذلك يراهن على قدرة الشهر نفسه على غسيل القلوب لندرك أن الصيام ليس امتناعاً عن الطعام والشراب وبالتالى ليس سباقاً عليهم بعد الإفطار بل صيام عن المعصية والمبادرة بمساعدة الآخرين فى كل الأوقات.
موضة وديكور
ارتباط الشهر بالموضة فى الملابس وأيضاً الديكورات يلفت نظر جيهان خليفة من سيوة التى بدأت مشروعها للمصنوعات اليدوية مع ٥ سيدات وأصبحن حالياً 60 سيدة وتفخر بعرض منتجاتها فى المتجر الرئيسى للمتحف الكبير.
وتؤكد أن رمضان شهر ترويج» الهاند ميد» بامتياز سواء المفارش أو الملابس حيث تحرص كل سيدة على تجديد ديكور منزلها بلمسة رمضانية أو تراثية فأصبحت الزينة هاند ميد وكذلك عباءات الاستقبال فى العزومات.
جيل جديد
ومن الجيل الجديد، يلاحظ إياد هشام 18 سنة -كلية هندسة صخب رمضان على السوشيال ميديا لذلك يحاول أن يقاومه بطقوس خاصة مع أسرته بداية من تعليق الزينة مع والده والذهاب معا لأداء صلاة التراويح وحتى التجمع على مائدة الإفطار والسحور وهو الأمر الذى يفتقده باقى العام.
العصير كلمة السر
وتنفرد ثويبة فتحى -15 سنة- أولى ثانوى بمسئوليتها عن العصير.. تحرص على النزول وشراء السوبيا والعرقسوس من المحلات وتلمح هذا النشاط فى البيع والشراء والود بين الجميع رغم الزحام
أما توأمها محمد فتحى فيؤكد أن مجرد انتظار مدفع الإفطار وسماع الاذان متعة لا توصف ولا ينسى فقرة الصراع على الريموت لاختيار برنامج أو مسلسل وقت الإفطار الذى يفوز فيه برنامج رامز وتبقى التراويح روح رمضان وبعدها مسموح بوقت للأصدقاء مع البلاى ستيشن.
البساطة.. عملة نادرة
وتعتقد د.ايمان رشوان المدرس بقسم العلوم النفسية بكلية الطفولة المبكرة جامعة القاهرة أن أثر رمضان باق، لكن الاختلاف أصبح كالحفرة التى تزداد عمقاً يوماً بعد يوم، فى الماضى كانت الروحانيات تمتد إلى دروس الصيام ينقلها الأهل للأطفال وحتى الأغانى كانت تركز على قيمه الأصيلة، أما الآن فالمظهرية تسللت لأبسط طقوس الشهر بدءاً من الملابس التى فرضتها موضة وافدة حتى وإن اكتسى بعضها بملامح التراث فأصبح الأمر منافسة على امتلاك الجديد والمزيد وامتد إلى الطعام فارتبطت سفرة رمضان بكميات زائدة من الأكل فضلاً عن طوابير أمام محال الحلويات والنتيجة إما شراء مجنون مصيره سلة القمامة أو حزمة أمراض مجانية وتلوم السوشيال ميديا على ما تصدره من مظاهر خادعة للشباب فالكل يتسابق على محتوى استهلاكى ينزع من رمضان خشوعه وهدوءه.
أجيال وراء أجيال
ومن جانبه يؤكد د.مخلص محمود عميد التربية النوعية الأسبق أن الشكوى من تغير رمضان ليست جديدة فهى تتكرر بين الأجيال لكن الفرق أن العائلة أولوية الجيل الأكبر خصوصاً فى رمضان أما الآن تراجع دور العائلة فالموبايل هو الذى يربى ويوجه ويرشد و»البلوجرز» هم القدوة والنموذج ومن يشاهدهم لا يستطيع التفرقة بين الجانب الدعائى ويظن أنه ترشيح محايد والنتيجة بالطبع تقليد بدعوى التجديد لا سيما بين الشباب فى سن المراهقة.
حيث الحماس سيد الموقف ولكن الأكبر سنا لديهم مسئوليات اكثر وعاصروا صوراً أصيلة من رمضان تجعلهم على الأقل «يفلترون» ما يشاهدون ويتوقفون أمام ارتفاع الأسعار.
ونصيحة أستاذ التربية هى عودة دور الأسرة والصداقة بين الأهل والأبناء ولا توجد فرصة أفضل من لمة رمضان وإذا بدأنا الشهر الفضيل بهذه المبادرة يمكن استعادة الأصالة لتنتصر على التريند.









