يجلس بعضنا أمام شاشة التلفاز ليشاهد فيلماً عن كائنات أسطورية يمثلون بشراً يتحولون إلى ذئاب أو هجين بينهما، وغالباً في ظل تأثير اكتمال القمر، وكيف أن معدن الفضة يمثل نقطة ضعف قاتلة لهم.
وينتهي الفيلم، ومعه تصورنا أنه مجرد فيلم من أفلام الإثارة أو الرعب، ولا نسأل كيف يتحول الإنسان في عصرنا الحالي إلى ذئب على أرض الواقع لا مجرد خيال أو رعب؟
منذ قرون قال الكاتب الروماني (تيتوس ماكيوس بلاتوس) هذه العبارة: الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، ويقول قائل لكن الدين والقانون قد استطاعا تقليم مخالب الافتراس، وتلك القسوة المفرطة لدى الإنسان، لكن الأحداث والسلوكيات الحالية تعيد رسم دائرة اهتمام حول العبارة التاريخية، بل وتطرح شكوكاً حول الطبيعة الإنسانية البريئة والمسالمة، ومشاعر الأخوة المتبادلة بين بني الإنسان.
وإذا كان الفيلسوف الإنجليزي (توماس هوبز) في القرن السابع عشر قد أعلن أنها “حرب الجميع ضد الجميع”، ومن ثم إعادة التفكير في عبارة “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان” وأن المجتمع الإنساني هو مجتمع السوق المتوحش حيث كل شيء قابل للبيع والشراء، وأن المنافسة لا التعاون، هي الحكم بالقضاء على الآخر بهزيمته أو تراجعه أو موته.
إنها قواعد السوق المعمول بها. وقد راهن (هوبز) على أن وجود الدولة والقانون يحولان دون حالة الافتراس والهمجية في المجتمع الإنساني، وهذا حقيقي إلى حد كبير، لكن مع صمت القانون أو تواطؤه في بعض الأحيان يترك العنان للاستذئاب أن يأخذ مجراه، وأن يتحول الإنسان إلى ذئب، وما حدث في جزيرة “إبستين” ليس سوى دلالة على هذا الأمر، لكن ليس بالمعنى السينمائي الذي تقدمه الأفلام، حيث الإثارة والرعب في إطار مشوق أو مثير متفق عليه مع الجمهور الذي يعلم مقدماً أنه فيلم إثارة أو رعب للمتعة فقط، لكن لا يتحقق في الواقع.
إنها أيديولوجية يطبقها رجال على أعلى مستوى من الشهرة والقيادة والمسؤولية أيديولوجيا تبدو موازية لأيديولوجيا الذكاء الاصطناعي فكلاهما يفرغان الإنسان من مضمونه أو صورته الطبيعية كمبدع عقلانياً أوالذي تم تكريمه من قبل الله.
وكلاهما يعملان في السيطرة على الإنسان كألعوبة في اليد يتم إدارتها معلوماتياً من خلال الذكاء الاصطناعي، وبيولوجيا من خلال انتهاكات مروعة للجسم البشري، ولا يستثنى أحد من تلك الانتهاكات أطفالاً كانوا أم نساءً!
المستذئبون الجدد يطرحون أيديولوجيا جديدة لقنص الإنسان إما كفريسة يقوم صياد محترف باصطيادها في قفص الشهوة أو كفريسة ضلت مسارها العقلاني فوقعت في فخ الذكاء الاصطناعي الذي صار الطعم والصياد في يد معاً.
وتذكرنا كلمات المبدع “سيد حجاب” بالحال وضرورة المقاومة عندما قال: مين اللى قال الدنيا دي وسيه فيه عبيد مناكيد وفيها السيد، سوانا رب الناس سواسية”.









