لو عقدنا مقارنة بين طفل اليوم طفل السماوات المفتوحة.. وطفل الأمس طفل البساطة والعفوية.. نجد أن الأول رغم توافر كل وسائل الترفيه والتطور الهائل نجده أكثر تعاسة وكسلاً وتعرضاً للأمراض والأخطار والضياع إلا من رحم ربى.. لأنه حبيس غرفة النوم لا يبرحها إلا للطعام أو لقضاء احتياجاته الشخصية أو الأسرية خاصة فى الاجازة الصيفية الطويلة بسبب مكوثه بالساعات على النت.. أما طفل الأمس فهو أكثر حرية ونشاطاً ورياضة لأنه اعتاد الانطلاق فى المروج والحقول خاصة ابن الريف أوالانطلاق فى الشوارع لممارسة الألعاب البدائية مثل كرة القدم وألعاب «الحجلة» و«الاستغماية» و«الرشق بالدقاميق فى الطين» أو حتى ابن المدينة الذى كان يمارس ألعاب السلم والثعبان وبنك الحظ واللعب فى الساحات الشعبية أوالذهاب إلى السينما والمسارح.
المهم طفل الأمس يتميز بالانطلاقة والحيوية والحركة ولا يمكث فى منزله إلا عند النوم أو لتناول الطعام.. عكس طفل اليوم الذى حرم نفسه من الحركة والخروج بسبب المحمول اللعين الذى صار أسيرا له رغم ما فيه من دس السم فى العسل.
أقول ذلك بمناسبة المطالبة بتنظيم وتقنين منصات الألعاب الإلكترونية التى انتشرت بشكل لافت للنظر وسيطرت على عقول أطفالنا وأثرت بالسلب على الصحة النفسية والعقلية للطفل، بل وصارت خطراً حقيقياً يتهدد أمن المجتمع وسلامته، فالألعاب الإلكترونية آفة هذا الزمان لم تعد وسيلة للترفيه فقط بل أزمة كل بيت ليس فى المدينة الصاخبة بل فى الريف الذى لم يعد وادعاً وهادئاً كما كنا نعرفه زمان.. فطفل المدينة كطفل الريف لا فرق بينهما، لذا كان لابد من خروج دعوات للتصدى لتلك الظاهرة حرصاً على سلامة المجتمع وأمنه، وأولها حجب لعب من عشرات الألعاب ألا وهى «روبلوكس» التى يقبل عليها ليس الأطفال بل المراهقين أيضاً حول العالم وبلغ عدد لاعبيها حوالى الـ 50 مليوناً.
الحقيقة.. بعد رصد خطورة تلك الظاهرة على أولادنا ثم التقدم بمذكرات لمجلس النواب لاتخاذ الإجراءات القانونية ولتنظيم وتقنين الألعاب الإلكترونية بشكل عام وليس لعبة «روبلوكس» وحدها لأن الكثير منها غير ملائم لعمر الطفل حيث تكمن الخطورة فى أنها تسمح للطفل الحديث مع الغرباء وبالتالى يتم استدراجه دون أن يدرى مع أشخاص خطرين أو شبكات للتجارة فى الأعضاء البشرية يدسون لهم فى اللعبة محتويات غير ملائمة أخلاقياً واجتماعياً بل وأمنياً، والدليل ضبط عدد كبير من الجرائم التى تحض على العنف أو القتل أو الإساءة للأديان.
صراحة.. ترك الأسرة العنان لأطفالها فى اللعب دون رقابة السبب فى انتشار الظاهرة الإلكترونية ووفقاً لتقرير منظمة اليونيسيف الصادر العام الماضى تبين أن واحداً من كل 10 أطفال يمارسون الألعاب الإلكترونية وأن واحداً من كل 5 أطفال تعرض للتنمر أو التحرش داخل تلك المنصات، وأن 30 ٪ تعرضوا لمحتوى غير لائق مثل المواد المسيئة وخطابات الكراهية وأن 90 ٪ منهم شاهدوا محتوى إعلانياً عن ألعاب المراهنات، وأن 18 ٪ شاركوا فيها بما يقدر بحوالى 16 مليون طفل حول العالم، كما أكد التقرير أن النسبة الأكبر من هؤلاء الأطفال يمارسون الألعاب دون إشراف الوالدين وأن 15 ٪ منهم يعانون السلوك الرقمى المفرط حيث يزيد الجلوس على النت لأكثر من 5 ساعات يومياً وهنا تكمن الخطورة سواء نفسياً أو بدنياً أو أمنياً.
صحيح كل هذه الممارسات الإلكترونية ضريبة التطور الهائل الجارى حولنا، ولكن لابد من رقابة الأسرة على أطفالهم بالذات، فلا يعقل أن يترك الوالدين الباب مفتوحاً على مصراعيه للأولاد بالدخول فى المواقع بحرية تامة دون سؤالهم أو حتى بالدخول من خلال هواتفهم المحمولة لمعرفة العمليات التى قاموا بها والمواقع التى دخلوا وخرجوا منها، كما يجب على الأسرة ألا تتيح امتلاك أطفالهم لهواتف محمولة حديثة فى سن مبكرة وعمل باقات لهم بأسمائهم، وعلى الدولة إلزام الوالدين بوضع برامج للتحكم الأبوى وتحديد المواقع المتاحة وغير المتاحة للطفل بحسب عمره وذلك عن طريق ضبط الإعدادات وتحديد الخصوصية ومراجعة الوالدين لبرنامج الرقابة الأبوية التى تضعها اللعبة قبل السماح للابن بممارستها، كما لابد للدولة من مراجعة تقنية فحص الوجوه لتحديد سن المستخدم لأنها غير دقيقة بدليل أن المنصة خاصة فى لعبة «الروبلوكس» مازالت تتعرض لمشكلات، عموماً نحن فى خندق واحداً ويجب علينا كأفراد أو أسر التصدى لتلك الظواهر السلبية قبل أن تستفحل ويضيع أولادنا ضحايا السم فى العسل التى يدسها القائمون على تلك المنصات الإلكترونية سواء الخاصة بالألعاب أو غيرها، وعلى مجلس النواب الإسراع بإصدار تشريع يحجب كافة الألعاب الإلكترونية الخطرة والسماح فقط بالإيجابية والهادفة مع تسليط الضوء إعلامياً على تلك الظواهر السلبية وتوعية أولادنا بخطورتها وإفهامه بأن ضميره هو الرقيب عليه قبل الوالدين والمجتمع وألا يسمح للطفل الحدث بألا يكون له موقع على النت باسمه، وأن نشجعه على القراءة والذهاب إلى مراكز الشباب أو النوادى لشغل أوقات فراغه.. اللهم بلغت اللهم فاشهد.









