تمر المجتمعات، خصوصاً فى لحظات التحول والضغط، بحالات من الارتباك لا يكون أخطرها صراع الأفكار، بل هشاشة المواقف وغياب ما يمكن تسميته بـ «مخزون الثوابت». فالمشكلة ليست فى اختلاف الرؤى، ولا فى مراجعة القناعات، بل فى ذلك النمط من التغير السريع الذى ينتقل فيه البعض من موقف نقيض إلى آخر، دون مسار معرفى واضح، أو تفسير فكرى مقنع.
هناك نماذج متعددة لهذه الهشاشة؛ نموذج صفرى بلا قيمة حقيقية، ونموذج فراغى بلا مضمون، ونموذج عدمى بلا معنى. غير أن أخطرها هو نموذج «الإمَّعة»، الذى لايملك رأياً خاصاً، ولا يتحمل كلفة موقف، فيكتفى بالتماهى مع الاتجاه الغالب، ويظن أن النجاة فى السير مع القطيع. وقد حذّر التراث من هذا النموذج مبكراً، لأن المجتمعات لاتُبنى بمن يوافق الجميع، بل بمن يملك الشجاعة ليختلف.
المقلق أن هذا السلوك لم يعد حكراً على العامة، بل تسلل إلى قطاعات من النخبة الثقافية والفكرية، التى يُفترض أنها خزان الوعى وضمير المجتمع. ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعى، تحوّل بعض المثقفين من صانعى معنى إلى متلقين للضجيج، ومن قادة للرأى إلى تابعين له. أصبح الرأى مرهوناً بعدد الإعجابات، والموقف خاضعاً لمنطق «التريند»، حتى لو كان خالياً من أى مضمون حقيقى.
تكشف الأزمات الكبرى عن هذا الخلل بوضوح. فالأحداث المفصلية لا تختبر فقط صلابة المؤسسات، بل تختبر كذلك صدق القناعات. وفى كثير من الأحيان، يتبين أن ما كان يُقدَّم بوصفه إيماناً راسخاً لم يكن سوى تموضع مؤقت، سرعان ما يتغير بتغير المزاج العام. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل كانت تلك المواقف نابعة من قناعة حقيقية، أم مجرد توافق مرحلى مع السياق؟
ويبلغ هذا الارتباك ذروته فى ما يمكن وصفه بـ «موسم العبث الجماعى»، الذى يتكرر مع كل تغيير وزارى. فبدل أن يُنظر إلى التغيير بوصفه إجراءً إدارياً طبيعياً فى مسار الدول، يتحول إلى مهرجان من التقييمات المتعجلة والأحكام المسبقة. يُصنَّف الوزراء الجدد أبطالاً أو فاشلين قبل أن يبدأوا العمل، وتُبنى الآراء لا على برامج أو سياسات، بل على الانطباعات السريعة، والصور المتداولة، والقدرة على إثارة الجدل.
وفى هذا السياق، لا يقل عبث النخبة خطراً عن عبث العامة، بل قد يكون أشد تأثيراً. إذ تنخرط قطاعات من المثقفين فى سباق محموم للحاق بالتريند، فتستبدل التحليل الرصين بالسخرية، والنقد العميق بجمل لامعة لا تعيش أكثر من ساعات. وهكذا تضيع فرصة حقيقية لمناقشة قضايا جوهرية مثل استمرارية السياسات، ومعايير الكفاءة، وحدود المسئولية، لصالح ضجيج مؤقت لايضيف معرفة ولا يبنى وعياً.
إن التحول الفكرى الصحى ليس خطيئة، بل ضرورة. لكنه يفترض مساراً واضحاً من المراجعة والنقد الذاتى والتفسير. أما القفز من النقيض إلى النقيض، فهو دليل على غياب الأساس، لا على نضج التجربة. وحين يتكرر هذا السلوك من أصحاب المنابر المؤثرة، تتآكل الثقة فى الخطاب الثقافى ذاته، ويصبح المجتمع بلا بوصلة فكرية واضحة.
المجتمعات لا تنهار فقط حين تضعف مؤسساتها السياسية أو الاقتصادية، بل حين تفقد بنيتها التحتية الفكرية. حين يغيب مخزون الثوابت، ويتحول المثقف من حارس للمعنى إلى صدى للضجيج، تصبح الدولة، أى دولة، أكثر عرضة للفوضى، لا لضعفها، بل لفراغ المجال العام من الأصوات القادرة على الثبات.
ربما لا يكون الخطر الأكبر فى كثرة الأخطاء، بل فى ندرة من يملك الشجاعة للاعتراف بها أو الدفاع عن قناعاته حتى النهاية. فالأمم لا تحتاج إلى مثقفين متلونين، بل إلى عقول تعرف متى تراجع ولماذا، ومتى تصمد ولماذا. ويبقى الأمل أن يكون هذا التشخيص قاسياً أكثر مما ينبغى، وأن يكون مخزون الثوابت لم ينفد بعد.









