لم تكن أم تتصور أن منزلها الذى يفترض أن يكون الملاذ الأكثر أمانا سيتحول فى لحظة إلى قبر جماعى يبتلع أبناءها الخمسة بسبب تسريب غاز طبيعى أنهى حياتهم على الفور، هذه المأساة ليست استثناء صادما بل حلقة جديدة فى سلسلة فواجع تتكرر بنفس السيناريو وبنفس النهاية وبنفس التبرير الجاهز حادث عرضى، والحقيقة غير المجاملة أن ما يحدث ليس قضاء وقدرا إنما نتيجة إهمال ممنهج يدار بالصمت والتراخى. تكرار حوادث تسريب الغاز يكشف خللاً عميقاً فى طريقة إدارة ملف السلامة داخل البيوت، ومن جهة القوانين القائمة تتعامل مع الكارثة بعد وقوعها لاقبلها وتكتفى بمساءلات شكلية لا توازى حجم الأرواح التى تزهق. حين تموت أسرة كاملة بسبب خلل فنى أوتوصيل ردىء فالمسئولية لا يمكن حصرها فى خطأ غير مقصود ولكن يجب أن تعامل كجريمة إهمال مكتملة الأركان تتحمل تبعاتها الشركات المنفذة والجهات الرقابية دون استثناء، المشكلة لا تقف عند النصوص القانونية بل تمتد إلى بنية فنية مهترئة داخل آلاف الوحدات السكنية التى تعمل بتوصيلات قديمة أو غير مطابقة للمواصفات دون فحص دورى حقيقي، لا يعقل أن يبقى الغاز متدفقا داخل المنازل دون أن يكون هناك كاشف تسريب إلزامى أونظام فصل تلقائى يمنع الكارثة قبل وقوعها، التكنولوجيا المتاحة اليوم قادرة على إنقاذ الأرواح لكن تجاهل استخدامها يحولها إلى رفاهية مؤجلة بينما الموت لا ينتظر. أما الرقابة ففى كثير من الأحيان لا تتجاوز كونها إجراءً ورقيا يأتى بعد الفاجعة لا قبلها، التفتيش الحقيقى يجب أن يكون مفاجئاً وحاسماً بصلاحيات فورية لقطع الخدمة عند أدنى خطر وبخطوط طوارئ فعالة تستجيب فى دقائق لا فى بيانات صحفية، الرقابة التى تتحرك بعد الجنازة لا تحمى أحدا بل تبرئ نفسها فقط. ويظل الوعى المجتمعى الحلقة الأضعف فى هذه السلسلة، المواطن يترك غالبا بلا معرفة حقيقية بعلامات الخطر أو بأساسيات السلامة وكأن الحذر خيار شخصى لا ضرورة عامة، التوعية يجب أن تكون إلزامية ومستمرة تبدأ من لحظة تركيب الغاز وتمتد إلى المدارس ووسائل الإعلام لأن الجهل فى هذا الملف قاتل صامت. بعد كل فاجعة تترك الأسر المكلومة وحدها فى مواجهة الألم والإجراءات البيروقراطية دون تعويض عادل أو دعم نفسى أو حتى اعتراف واضح بالمسئولية، غياب البعد الإنسانى لايقل قسوة عن الكارثة نفسها.









