مع اقتراب صدور القرار الجمهورى بالتشكيل الجديد للمجلس القومى لحقوق الإنسان، بعد انتهاء مدته القانونية أواخر الشهر الماضى. يبرز اهتمام طبيعى بمتابعة ما سيحمله هذا التشكيل من ملامح ورؤى. اهتمام يشبه انتظارنا لتشكيل «منتخب وطنى» جديد، نأمل دائماً أن يسجل أهدافاً فى مرمى المشكلات، لا أن يكتفى بالركض فى الملعب واتباع أسلوب الدفاع العقيم وإبهارنا بلياقة «البيانات الصحفية». هذا الترقب يأتى فى ظل الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التى وضعت إطاراً عاماً لتحسين الأوضاع، وربطها بشكل أوضح بحياة المواطن اليومية، الذى يأمل ألا تظل هذه الإستراتيجية كـ «جهاز العروسة»، نتباهى به أمام الناس لكننا نخاف استخدامه فى الواقع! المجلس القومى لحقوق الإنسان يُعد إحدى الأدوات المؤسسية المعنية بمتابعة هذا الملف، ودوره الأساسى يتمثل فى الرصد، وإبداء الرأى، وفتح قنوات تواصل مع مختلف الأطراف. ومن هنا، فإن التشكيل الجديد يُنظر إليه باعتباره فرصة لتعزيز هذا الدور، والبناء على ما تحقق، وتجاوز مرحلة «المجلس الموقر» الذى كان أحياناً يكتفى بدور «المشاهد الصامت» الذى يطبق يديه خلف ظهره بوقار شديد بينما الأمور تحتاج لتدخل سريع وملموس. الحديث عن التشكيل المرتقب لا يدور حول تغيير الأسماء بقدر ما يدور حول أسلوب العمل. فالتحدى الحقيقى يتمثل فى القدرة على تحويل المبادئ العامة إلى ممارسات قابلة للتنفيذ، والتعامل مع القضايا بهدوء وحكمة، بدلاً من أسلوب «النعامة» أو أسلوب «المطرقة». التوازن بين الاعتبارات القانونية والواقع المجتمعى يحتاج لجراحين ماهرين، لا لـ «هواة» يظنون أن حقوق الإنسان هى مجرد حضور ندوات فى فنادق الخمس نجوم وتناول الكرواسون مع المنظمات الدولية. الإستراتيجية الوطنية وفّرت مرجعية واضحة، ويبقى التطبيق العملى هو العنصر الأهم. فالمأمول أن يواصل المجلس دوره فى المتابعة والتقييم، وأن يساهم فى تقديم مقترحات تساعد على تطوير السياسات، بما ينعكس تدريجياً على تحسين جودة الحياة وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالمواطن الذكى – الذى أصبح يفرق جيداً بين «الأصل والتقليد» – يريد أن يشعر أن حقوقه مصونة بالفعل، وليس «بالقول» فقط فى تقرير سنوى يوزع فى حفل أنيق. كما أن تنوع الخبرات داخل المجلس يمثل عنصرًا إيجابيًا، خاصة عندما يجمع بين القانون والبحث والعمل الميدانى. هذا التنوع يتيح قراءة أوسع للقضايا، ويساعد على طرح حلول واقعية، بدلاً من حالة «الانسجام التام» .. نحن بحاجة لأصوات حية، حتى لو كانت مشاكسة أحياناً، لضمان أن المجلس ليس مجرد «صدى صوت» لما هو قائم. فى النهاية، يبقى التشكيل الجديد خطوة ضمن مسار أطول، تُقاس نتائجه بمرور الوقت لا بحجم الابتسامات فى صورة التشكيل الأولي. والمتابعة الهادئة لأداء المجلس ستكون كفيلة بإظهار ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تطويراً فى الآليات، أم أننا سنكتفى بـ «تطبيق اليدين» والانتظار.. لعل وعسى.









