لم يعد التحكيم الدولى مجرد مسار قانونى تلجأ إليه الدولة فى نزاعات الاستثمار، بل تحوّل خلال السنوات الماضية إلى أحد أخطر الملفات التى تستنزف المال العام وتكشف عن خلل عميق فى منظومة إدارة العقود والنزاعات. ومع تزايد الأحكام والدعاوى المرفوعة ضد الدولة المصرية، بات من الضرورى فتح هذا الملف بجرأة، بعيدًا عن التبرير أو الصمت.
>>>
تشير بيانات منشورة وتقارير بحثية مستقلة إلى أن مصر واجهت، خلال العقد الأخير، ما بين 30 إلى 40 قضية تحكيم دولي، أغلبها أمام المركز الدولى لتسوية منازعات الاستثمار «ICSID»، وهو ما يضعها ضمن أكثر خمس دول فى العالم تعرضًا لدعاوى التحكيم الاستثماري. ومنذ عام 2011 وحده، نُظر فى أكثر من 25 قضية تحكيم استثمارى ضد الدولة المصرية، وهو رقم لافت إذا ما قورن بدول ذات حجم اقتصادى مماثل.
>>>
الأخطر من عدد القضايا هو نتائجها. فوفق تتبع القضايا التى صدرت فيها أحكام أو انتهت بتسويات، يتبيّن أن
نسبة القضايا التى انتهت بشكل إيجابى لصالح الدولة لا تتجاوز 10-15 ٪، بينما انتهى عدد معتبر منها إما بأحكام ضد الدولة أو بتسويات مالية لتفادى أحكام أكثر كلفة. أما القضايا المتبقية، فلا تزال قيد النظر، وتحمل مخاطر مالية مستقبلية.
>>>
من حيث التكلفة، ورغم غياب الشفافية الرسمية، تشير تقديرات متحفظة إلى أن قيمة المطالبات فى عدد محدود من القضايا تجاوزت 20 مليار دولار، بينما قُدّرت المخاطر الإجمالية لبعض الفترات بما يعادل 5 إلى 6 مليارات دولار كتعويضات محتملة. هذه الأرقام لا تعنى بالضرورة ما تم سداده فعليًا، لكنها تعكس حجم التعرض المالى الذى تتحمله الدولة نتيجة هذه النزاعات.
>>>
عند تحليل مصادر القضايا، يظهر أن الاستثمار العقاري، الطاقة، البترول والغاز، والبنية التحتية تأتى فى صدارة القطاعات المولّدة لنزاعات التحكيم. وهى قطاعات تعتمد على عقود طويلة الأجل، وتداخل جهات حكومية متعددة، ما يزيد احتمالات الخلاف فى حال تغيّر السياسات أو صدور قرارات إدارية غير مدروسة.
>>>
أما طبيعة النزاعات، فغالبها لا يدور حول مخالفات جسيمة من المستثمر، بل حول فسخ عقود، سحب أراضٍ أو تراخيص، تعديل شروط تعاقدية بشكل منفرد، تأخر مستحقات مالية، أو الإخلال بما يُعرف بالتوقعات المشروعة للمستثمر. فى كثير من الحالات، كان يمكن احتواء الخلاف فى مراحله الأولي، لو لا سوء الإدارة أو غياب قنوات تفاوض فعّالة.
>>>
وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا تفشل التسويات؟ تشير التجربة العملية إلى أن السبب لا يكون قانونيًا فى الأساس، بل إداريًا. فغياب جهة واحدة تمتلك سلطة اتخاذ القرار، والخوف من المساءلة عند إبرام تسوية، يدفع بعض المسئولين إلى ترك النزاع يتفاقم حتى يصل إلى التحكيم. أحيانًا يكون هناك تعسّف أو تنطع إداري، وأحيانًا أخرى يكون تقاعسًا صريحًا عن معالجة الأزمة.
>>>
هل المشكلة فى الكوادر القانونية؟ جزئيًا نعم. فصياغة عقود الاستثمار الدولية تتطلب خبرات متخصصة فى التحكيم وقانون الاستثمار، وهى خبرات لا تزال محدودة داخل الجهاز الإدارى للدولة. كثير من العقود
أبرمت دون مراجعة تحكيمية مسبقة، أو دون تقدير حقيقى للمخاطر القانونية المترتبة عليها.
>>>
لكن السؤال الأكثر حساسية يظل مطروحًا: هل هناك إهمال جسيم أو تضارب مصالح؟ لا يمكن الجزم بوجود نمط واحد، لكن المؤكد أن غياب الشفافية فى إعلان تفاصيل القضايا وأسباب خسارتها يفتح الباب أمام الشكوك، ويضعف الثقة العامة. ففى دول عديدة، تُنشر تقارير دورية تشرح أسباب الخسارة والمسئوليات، بينما يظل هذا الملف فى مصر محاطًا بالتكتم.
>>>
نصل هنا إلى بيت القصيد: المساءلة. هل تمت محاسبة مسئول واحد عن خسارة قضية تحكيم كلّفت الدولة عشرات أو مئات الملايين؟ الواقع العملى يشير إلى أن المحاسبة، إن وُجدت، فهى نادرة وغير معلنة. وكأن خسائر التحكيم تقع خارج نطاق المسئولية الوظيفية، رغم أنها نتيجة مباشرة لقرارات أو إهمال أشخاص بعينهم.
>>>
تصحيح المسار يتطلب خطوات واضحة: إنشاء وحدة مركزية متخصصة لإدارة عقود الدولة الدولية، إلزام الجهات الحكومية بمسارات تسوية محددة زمنيًا قبل اللجوء للتحكيم، بناء كوادر مصرية محترفة فى التحكيم الدولي، والأهم، إقرار مبدأ واضح للمحاسبة الإدارية والقانونية عند ثبوت التقصير أو التعسف.
>>>
التحكيم الدولى ليس عدوًا، لكنه يتحول إلى فخ قاتل حين تُدار الملفات بعقلية ردّ الفعل. فتح هذا الملف علنًا لم يعد ترفًا، بل ضرورة لحماية المال العام، وسد الثغرات التى ينفذ منها أصحاب المصالح، واستعادة الثقة فى قدرة الدولة على إدارة تعاقداتها.









