السبت, يناير 31, 2026
  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفي

جريدة الجمهورية

رئيس التحرير

أحمد أيوب

  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
جريدة الجمهورية
لا توجد نتائج
كل النتائج
الرئيسية مقالات

شيطان الجماعة 7.. رسائل البنّا وصناعة الفوضى

حين يتحوّل هدم الدولة إلى «فضيلة».. ويُعاد تعريف الخراب بوصفه خلاصًا

بقلم حسام الغمري
29 يناير، 2026
في مقالات, عاجل
شيطان الجماعة (3)

حسام الغمري

13
مشاهدات
شارك على فيسبوكواتس اب

هناك لحظةٌ خفيّة في حياة الدول، لا تُذاع في نشرات الأخبار، ولا ترصدها الأقمار الصناعيّة، لكنها أشدّ فتكًا من كلّ حربٍ نظاميّة؛ لحظة يبدأ فيها المعنى بالتآكل قبل أن تتصدّع الجدران، وتُغتال فيها فكرة الدولة داخل وعيٍ تالف، مُصابٍ بعطبٍ عميق، قبل أن تُقصف في الميدان.

في تلك اللحظة لا يُهزَم الوطن هزيمةً عسكريةً صريحة كما حدث في انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، بل يُصاب في عمقه الوجودي.

أولًا: تُنتزع من الناس إيمانهم بالوطن، وتتآكل في وعيهم شرعيته بوصفه الإطار الذي يمنحهم الأمان والمعنى والانتماء، قبل أن تتصدّع حدوده أو تتهاوى مؤسساته.

عندئذٍ يتفكك شعور المجتمع بوحدته، وتضمحل الثقة بالقانون كحصن جامع، وتخبو الثقة في الكيان الذي كان، إلى وقتٍ قريب، يصون الناس من الانزلاق إلى صراعاتٍ بلا كوابح.

وعند هذه النقطة تحديدًا، لا يتحوّل الإنسان إلى وحشٍ لأنه وُلد كذلك، بل لأنه تُرك بلا نظامٍ يضبط غرائزه، وبلا سلطةٍ تحمي السلم الأهلي من السقوط في صراعٍ شامل بلا ضابط.

هكذا يقرأ الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588–1679) طبيعة المجتمعات: ليس البشرُ ميّالين إلى التهام بعضهم لأن الشرَّ جوهرهم، بل لأن السُلطة التي تكبح انحدارهم إلى الصراع تتآكل، أو تُفرَّغ من معناها، أو تُنزَع عنها الشرعيّة، حتى تُسحَب من الضمائر قبل أن تُنتزع من المؤسّسات.

فالدولة في ميزان هوبز، ليست ترفًا إداريًا ولا بناءً فوقيًّا يمكن الاستغناء عنه، بل هي السدّ الذي يكبح طوفان الفوضى؛ فإذا تصدّع هذا السدّ، ارتدّ المجتمع إلى حالته الأولى: صراعٌ على المعنى، ثم صراعٌ على النفوذ، ثم صراعٌ على الغنيمة، فلا يبقى في ساحة الوجود إلا منطق الغلبة، حيث تُصادَر الحقوق، وتُصاغ السلطة على فوهة القهر، ويغدو البقاء امتيازًا يُنتزع لا حقًّا يُصان.

وهنا تبدأ خطورة رسائل مدرس الخط حسن البنّا؛ فالعاقل لا يسقط في فخ قراءة هذه النصوص بوصفها مواعظَ دينية ولا خطابًا سياسيًا تقليديًا، بل نقرأها باعتبارها هندسةً فكرية متقنة لصناعة الفوضى: كيف تُنتَزع شرعية الدولة من الوعي، وكيف يُجرَّد القانون من إلزامه، وكيف يُعاد تشكيل الشاب ليغدو أداة هدم لا طاقة بناء، وكيف تُحرَّك الجماهير بوصفها وقود انفجار لا جسدًا تشاركياً، وكيف يُعاد تقديم الاضطراب لا كعارٍ ينبغي احتواؤه، بل كفضيلةٍ مُقدَّسة تُمنَح شرعية أخلاقية زائفة، ثم تُسوَّق هذه العملية برمّتها على أنها طريق الخلاص تحت عباءة دينٍ يحتكر مدرس الخط حسن البنّا فهمه وتأويله.

إنها رسائل لا تؤسّس دولةً، بل تصوغ بيانًا للفوضى، يَفتح الباب على مصراعيه لما سمّاه هوبز: عودة الوحش حين تُدمَّر السلطة التي تمنع الاقتتال بين الناس.

حين يصبح الهدم عقيدة

“ليس أمامنا إلا أن نُزيل هذه البُنى التي قامت على غير الإسلام، ثم نُقيم على أنقاضها بناءنا الجديد”

(حسن البنا –مقال بين الأمس واليوم –مجلة الإخوان المسلمين)

هذه العبارة ليست توصيفًا لأزمة، ولا نداءً لإصلاح، ولا حتى مخططًا لإعادة ترتيب الخلل؛ إنها إعلانٌ تأسيسيّ بأن نقطة الانطلاق هي الإزالة ذاتها، وأن الطريق إلى «الغد» لا يمر عبر التدرّج أو الترميم أو التقويم، بل عبر المرور الإجباري فوق الأنقاض.

في منطق السياسة، المسافة بين الإصلاح والهدم ليست تفصيلًا تقنيًا، بل هي الفارق بين كيانٍ يملك قدرة التجدد من داخله، وكيانٍ يُساق عمدًا إلى التفكك من جذوره.

الإصلاح يفترض وجود مجتمعٍ حيّ ومؤسساتٍ قابلة للتقويم؛ أما الإزالة فتفترض أن الوجود نفسه باطل، وأن كل ما هو قائم يجب أن يُمحى ليُعاد خَلْقَهُ من جديد.

هنا تتكشف البنية العميقة لمنطق الفوضى: حين تُغرس في وعي الشبل الإخواني أن فكرة «الأنقاض» هي الشرط الأول لكل بناء، فإنك لا تصوغ مواطنًا، بل تُعيد برمجة عقلٍ مُهيَّأ للهدم؛ كائنًا لا يرى في الدولة بيتًا قد يحتاج إصلاحًا، بل كيانًا “فاسدًا” لا خلاص منه إلا بالاقتلاع القسري، ومتى استقرّ هذا التصوّر في الوجدان، لم تعد الدولة إطارًا للعيش المشترك، بل تتحوّل — في الخَيَال المُعبَّأ — إلى عائقٍ وجودي في طريق ” الخلاص الإخواني ” شيءٍ يجب إزالته دون التعايش معه، وتتحوّل فكرة الوطن من حضنٍ جامع إلى خصمٍ ينبغي إسقاطه.

وعند هذه النقطة يتحقّق الشرط الأول للفوضى: نزع المشروعية الوجودية عن الدولة ومؤسساتها، وتحويل الهدم من جريمة إلى ” تكليفٍ مُسوَّغ ” بغطاء ديني، ومن فعل تخريبي إلى واجبٍ يُمارَس باسم الله.

شرعنة الفوضى

“سنمضي في طريقنا ولو اصطدمنا بعقباتٍ تُسقِط أنظمةً وتُبدِّل أوضاعًا”

(حسن البنا – رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي)

هنا لا يَعرِض مدرس الخط حسنُ البنّا سقوطَ الأنظمة بوصفه عارضًا طارئًا قد يَنفلت من مسار العمل، ولا كأذىً جانبيٍّ تُكرهه الظروف، بل يرفعه إلى مرتبة “الناموس” الحاكم للطريق ذاته؛ جزءٌ أساسي من منطق الجماعة الإرهابية لا انحرافٌ عنه، ومرحلةٌ مُقدَّرة لا فاجعةٌ مُستنكَرة.

فالهدم، في هذا التصوّر، لا يُقابَل بالحزن ولا يُعامل كخسارة، بل يُستوعَب كشرطٍ من شروط التمكين، وكقانونٍ من قوانين “التحوّل” الذي لا يتمّ إلا عبر تحطيم ما كان قائمًا.

إنه تحوُّلٌ عميق في منطق التاريخ السياسي في المنطقة العربية: ما كان يُعدّ كارثةً تستنفر لها كل أدوات الإنقاذ، يُعاد ترميزه هنا بوصفه علامةَ نصر وتمكين، وما كان يُرى انهيارًا يُقدَّم كبرهانٍ على مشروعية الطريق.

فانهيار النظام، في هذا التصوّر، لا يُعامَل كثمنٍ باهظٍ يُدفع على مضض، بل يُرفَع إلى مقام الشرط المؤسِّس؛ بوابةُ المرور الإلزامية إلى ما يُصوَّر باعتباره “الخلاص” الإخواني !!

وهكذا تُنزَع عن الدولة مكانتها السياسية العليا، ويُفرَّغ استقرارها من معناه الجامع، ليُعاد تعريف سقوطها لا كفاجعةٍ يجب منعها، بل كواجبٍ تاريخيٍّ أو “ضرورةٍ انتقالية” يُبشَّر بها ويُحتفى بها.

وبهذا التلاعب الجذري بالمعاني، يُمزَّق العقد الاجتماعي الذي يشدّ الناس بعضهم إلى بعض، لأن ما كان يمسك المجتمع داخل إطارٍ جامع يُعاد تحويله إلى عائقٍ ينبغي كسره، لا إلى أساسٍ يجب صونه.

وحين يُكسى تفكّك الدولة بثوب المشروعيّة المزيَّفة، تُنتزَع آخرُ القيود التي كانت تكبح قوى الانفلات الكامنة في المجتمع، فتخرج الغرائز والعصبيّات وشهيّة الغنيمة من عقالها، بلا قانونٍ يردعها ولا معنى يضبطها، عندئذٍ تنفلت العصبيّات، وتتحرّر الغرائز، وتستيقظ شهيّة الغنائم، ويطفو منطق الانتقام، وتتقاتل الشرعيّات كما تتنازع الوحوش على فريسةٍ.

إنه منطقٌ لا يقتصر على إسقاط بنيةٍ سياسية، بل يَفكُّ عُرى الوجود الجماعي ذاته، ويفتح على المجتمعات بوّابات الفوضى الشاملة، حيث لا يعود للنظام حُرمة .

هكذا تُهندَس قابلية الفوضى: حين يُنزَع عن انهيار الدولة رعبُه الوجودي، ويُعاد تقديمه بوصفه “ضرورةً واجبة”، تُقتَل في الضمائر فضيلة حماية الاستقرار، ويُستبدَل بها استعدادٌ باردٌ لمشاهدة احتراق البيت وهو يُسمّى خلاصًا !!

جيل يتدرّب على الهدم

“أنتم طلائع هذه الدعوة ، بكم تُكسَر القيود، وتُغيَّر الأوضاع، وتُستعاد الأمة”

(حسن البنا – رسالة الى الطلبة خاصة)

تبدو العبارة، في ظاهرها، نشيدَ حماسةٍ وبعث، لكنها في عمقها تحمل شيفرة تعبئة خطِرة: إعادة تعريف الشاب لا بوصفه عقلًا يتعلّم أو يدًا تُنتج، بل بوصفه «طليعة» مُكلَّفة بالهدم وتفجير الأوضاع القائمة.

لا مكان هنا لمعجم البناء: لا علم يُراكم، ولا اقتصاد يُحدث، ولا مؤسسات تنهض، بل طاقة اندفاعٍ تُدفع عمدًا إلى ساحة الصدام، ليُختزل المستقبل كله في فعل الهدم بوصفه طريق “التغيير”.

في منطق السياسة، أخطر ما يُرتكَب بحقّ الأمم هو اختزال جيلٍ كامل إلى أداة ضغطٍ عمياء بلا أفق أو مشروع دولة؛ لأن الطاقة حين تُطلَق من غير هندسةٍ للبناء، لا تصنع نهضة، بل تتحوّل — حتمًا — إلى قوّة انفجار تُدمّر ولا تُشيّد.

وهنا تُرتكَب أفدحُ الجرائم في هندسة الوعي السياسي: يُجَرَّد الشاب من إدراكه للدولة بوصفها العقد الاجتماعي الذي يجمع المختلفين في إطارٍ واحد، ثم يُدفَع إلى صراعٍ مفتوح ضد «القيود» و«الأوضاع» من غير معيارٍ أعلى يميّز بين ما يجب إصلاحه وما يستوجب حمايته، فيُطلَق في ساحة هدمٍ بلا بوصلة، ويُسلَّح بالغضب قبل أن يُزوَّد بمعنى وفلسفة الدولة.

يُقذَف إلى الصدام وهو محرومٌ من فكرة الإطار الحامي الذي يمنع الانهيار، فيغدو مستعدًا لنسف الجدار لأنه أُقنع أن الجدار قيد، من غير أن يُقال له إن الجدار هو ما يحول دون انقضاض الأفاعي.

إسقاط شرعية القانون

“كلُّ تشريعٍ لم يُستمدّ من شريعةِ الله باطلٌ لا يُلزِمُ مسلمًا”

(حسن البنا – رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي)

هذه ليست عبارةً فقهيةً معزولة، بل قنبلةٌ سياسية مكتملة الأثر؛ لأنها تنزع عن القانون صفة الإلزام، ويُستعاض عن مرجعية الدولة بسلطةٍ فوقيّةٍ مغلقة، يحتكرها التنظيم لنفسه بوصفه الوصيّ الوحيد على تأويل الدين وتحديد معانيه ومقاصده !

وحين يُقال للمواطن إن قانون بلده لا يُلزمه، فأنت لا تُنشئ متديّنًا، بل تُنتج كائنًا متمرّدًا على الدولة بطبيعته، لأنك تفتح له بابًا واسعًا ليطيع حين يوافق هواه، ويتمرّد حين يختلف، بلا ميزانٍ عام ولا التزامٍ مشترك.

في عمق الاجتماع السياسي، لا يكون القانون مجرد مواد مكتوبة، بل هو الإطار الذي يختار الناس أن ينتظموا داخله دون أن يفني بعضهم بعضًا، ولهذا جاء الميزان النبوي حاسمًا حين قال رسول الله ﷺ: ” أنتم أعلمُ بأمورِ دنياكم ” ؛ ففصل بين المقدّس بوصفه مجال العقيدة والعبادة، وبين إدارة الحياة بوصفها مجال العقل والخبرة والتنظيم.

وحين يُسقَط هذا الإطار الجامع، لا يبقى خلافٌ قابلٌ للإدارة، بل تتشظّى الإرادات إلى صدامات عمياء، ويتحوّل التنوّع إلى شظايا، وتُستبدل السياسة بمنطق الغريزة.

وهكذا يغدو المواطن وحيداً أمام الفوضى: لا مرجعية مشتركة، ولا إلزام عام، ولا معيار واحد يحتكم إليه الجميع.

وعندئذٍ تتكاثر داخل المجتمع سلطاتٌ متصارعة، تدّعي كلُّ واحدةٍ منها امتلاك “الإلزام الأعلى” — كما تفعل تنظيمات النصرة والقاعدة وداعش — فتُنشئ كل جماعة شريعتها الخاصة داخل الجسد الواحد للأمّة، ليتحوّل الوطن من كيانٍ جامع إلى ساحة صراع بين شرائع متناحرة.

تلك هي الشرارة الأولى لانهيار بنية المجتمع: اللحظة التي يتحوّل فيها الخلاف إلى اقتتالٍ شامل، يتقمّص أحيانًا أردية الدين، ويتخفّى أحيانًا خلف أقنعة السياسة، بينما حقيقته العارية ليست سوى انفجارٍ للفوضى، انفلاتٍ بلا قانونٍ يردعه ولا معنى يقيّده .

حتمية المعارك.. عقلية الصدام الدائم

“لن يتركنا أهلُ الباطل نعملُ في هدوء؛ وستكون بيننا وبينهم معاركُ حتى يستقيم الأمر”

(حسن البنا – حديث الثلاثاء – مجموعة رسائل ومقالا)

هنا يُكتَب في وعي الشبل الإخواني برنامجٌ نفسيٌّ كامل: جاهزيةٌ دائمة للصدام، وإعادةُ اختزال المجتمع إلى معسكرين مغلقين — «نحن» و«أهل الباطل».

هذه العبارة ليست توصيفًا سياسيًا عابرًا، بل عمليةُ تربيةٍ على الاستقطاب: توحيدُ الصفّ الداخلي الإخواني عبر صناعة عدوٍّ دائم، وإدامةُ التوتر حتى يغدو التوتر نفسه هو «الوضع الطبيعي» الذي يُدار به الوجود.

في منطق الدولة، يُنشأ النظام ليَنقل البشر من ساحة التصادم إلى فضاء العيش المشترك؛ أمّا في هذا الخطاب، فتُزرَع «عقلية الصدام» بوصفها شرطًا للاستقامة الدينية.

وما إن تستقرّ في الوجدان فكرةُ أن المواجهة قدرٌ لا فكاك منه، حتى يُعاد ترتيب القيم من جذورها: يصبح السلم الأهلي علامةَ وهن، والاستقرار موضعَ ريبة، والقانون قيدًا ينبغي تحطيمه لا إطارًا يُحتكم إليه.

ومن هنا يتكوَّن إنسان الفوضى: كائنٌ يرى الهدوء ضعفًا، والتهدئة خيانة، والتعايش تمييعًا، فلا يعود قادرًا على الإقامة داخل دولة، بل لا يجد ذاته إلا في مناخ الصراع الدائم.

حين تختزل الجماهير إلى وقودٍ للصراع

“وسنحرّك الجماهير حتى تعرف حقها، ولا ترضى بغير حكم الإسلام”

(حسن البنا – رسالة إلى أي شيء ندعو الناس)

هذه العبارة لا تنطلق من رؤيةٍ للناس بوصفهم أصحاب سيادة يصوغون مصيرهم، بل تختزلهم إلى كتلةٍ قابلة للدفع والتوجيه، تُحرَّك نحو غايةٍ مقرَّرة سلفًا، لا لتشارك في صنع القرار، بل لتُستَخدم كقوة هدم تُنفِّذ ما خُطِّط لها.

الجماهير في هذا التصوّر لا تُعامَل بوصفها منبع الشرعية ولا تجسيد الإرادة العامة، بل تُجرَّد من معناها السياسي لتغدو كتلةً دافعة تُساق حتى يتداعى ما أُريد له أن يتداعى.

تلك هي آلية الفوضى الحديثة: تعبئةٌ بلا تشاور، تحريكٌ بلا تمثيل، وضجيجٌ يهدم أكثر مما يبني.

وحين تُختزل الجماهير إلى وقود فوضى، يتحوّل الشارع إلى سلاحٍ يتقدّم على المؤسسات، وتغدو الدولة رهينةً لموجات التعبئة المتلاحقة، ويضيع الميزان الذي يُحوِّل الغضب الشعبي إلى مسارات قانونية قابلة للإدارة.

فالشارع الذي يُقاد بمنطق «لا نرضى بغير…» لا يترك مجالًا للتسوية ولا للسياسة، بل يفتح باب الانقسام على مصراعيه؛ إذ ما من طرفٍ إلا وسيعلن هو الآخر: “لا أرضى بغير… ” وهنا يبدأ التمزّق، وتتآكل إمكانية العيش المشترك.

تقديس الاضطرابات ..حين تصبح الفوضى “غاية”

“قد يضطرب الطريق وتشتدّ التكاليف، ولكن الرسالات لا تُحمَل إلا على أكتاف المضحّين “

(حسن البنا – بين الأمس واليوم – مجلة النذير)

هذه العبارة تُحدِث تحولاً في البوصلة الأخلاقية: ما كان يُرى كتهديدٍ لكيان المجتمع يُعاد تقديمه بوصفه علامة اصطفاء، وما كان يُخشى بوصفه انهيارًا يُسوَّق كبرهان على صدق الطريق، فتُجرَّد الكارثة من معناها التحذيري وتُكسى بدلالةٍ تبريرية تُهيِّئ النفوس لقبولها بل لتمجيدها.

أي أنّ الاضطراب لا يُعامَل هنا ككلفةٍ تُدفع على مضض، بل يُعاد تعريفه بوصفه شهادةَ صلاحٍ للمسار، وعلامةَ حياةٍ للفكرة، حتى يغدو الخراب نفسه برهانًا على “صدق الطريق”

وحين تُقدَّس المحنة يتحول خراب المجتمع إلى مرحلة “تمحيص”، وتتبدل لغة السياسة إلى لغة ابتلاءٍ تبرّر كل شيء.

هنا ينقلب ميزان السياسة رأسًا على عقب: ما يُفترض أن يكون أساس التوافق — الاستقرار وحفظ المجتمع — يُزاح جانبًا، ويُستبدل بمنطقٍ يُمجِّد الاضطراب ويمنحه معنى الفضيلة والاصطفاء الديني.

فالطريق عند مدرس الخط لا يُحاكَم بقدرته على حماية البشر، بل بما يزرعه من قلق واضطراب، حتى تُعاد صياغة الفوضى بوصفها معيارًا أخلاقيًا، ويُقدَّم التصدّع على أنه برهان الحق.

وهكذا تُرتكَب الجريمة النفسية الأشدّ فتكًا: يُعاد صياغة وعي الشبل الإخواني على نحوٍ يجعله قادرًا على التحديق في تصدّع المجتمع بلا رجفة، بعدما يُدرَّب على تأويل الألم بوصفه «تكاليف»، بل وربما يُعاد تسويغه في وعيه كـ«قربان» لا بدّ منه لولادة كيانٍ مُتخيَّل تُسقَط عليه أوهام الخلاص الإخواني .

لم يكن توماس هوبز يتحدّث عن شرٍّ غريزيٍّ متأصّل في الإنسان، بل عن هشاشته الوجودية؛ عن تلك الحقيقة القاسية التي تقول إن البشر لا يعيشون في سلمٍ لأنهم ملائكة، بل لأنهم مُقيَّدون بمنظومة أعلى منهم، قانونٌ يسمو على أهوائهم، ودولةٌ تتجاوز عصبيّاتهم القبلية، وبنيةٌ تمنع اختلافهم من أن ينحدر إلى اقتتالٍ مفتوح.

في هذا الميزان، لا تبدو رسائلُ مدرّس الخط حسن البنّا مشروعَ بعثٍ للدين، بل عمليةَ تفكيكٍ باردة لكل ما يحول دون عودة حالة الغابة: نزعُ الإلزام عن القانون، إفراغُ الدولة من معناها، إضفاء المشروعية على الاضطراب، شرعنةُ زوال النُّظم، وتحويلُ الجماهير من شعبٍ إلى وقود.

هنا لا يُصاغ مواطن، بل يُهندَس “إنسان الفوضى” كائنٌ يُربّى على الارتياب في الدولة، ويُدرَّب على ازدراء السلم الأهلي، ويُلقَّن أن الاستقرار ريبة، وأن القانون غير ملزم، وأن احتراق المجتمع ليس كارثة بل “تكاليف طريق”

قال هوبز إن الدولة هي السدّ الذي يكبح اندفاع الوحش الكامن في البشر؛ ورسائل البنّا، في جوهرها العميق، ليست سوى دليلٍ عمليٍّ على كيفيّة تدمير هذا السد باسم الخلاص الإخواني .

وحين ينهار السد، لا يتدفّق العدل، بل تنفجر العصبيّات القبلية، وتتصارع الشرعيّات، وتستيقظ شهيّة الغنيمة، حتى لا يبقى من السياسة سوى منطق البقاء الغريزي .

ذلك هو الأثر الحقيقي لهذا الخطاب السام: ليس إسقاط نظام فحسب، بل تحطيم الإنسان القادر على العيش داخل الدولة.

ومن يصنع هذا الإنسان، لا يفتح باباً للمستقبل، بل يُطلق العاصفة.

متعلق مقالات

لعنة الفراعنة بين الحقيقة والخيال
عاجل

عادل خيرى أيقونة الكوميديا الذى رحل مبكرًا

29 يناير، 2026
ظاهرة «التشيؤ» المقلقة
عاجل

فخ التحكيم الدولى: خسائر بالمليارات ومسئولية غائبة

29 يناير، 2026
محمد رجـب
عاجل

انتعاش لحظى = ضرر أبدى

29 يناير، 2026
المقالة التالية
إجراء عمليات قلب للمرضى غير القادرين بالدقهلية

إجراء عمليات قلب للمرضى غير القادرين بالدقهلية

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ملحق الجمهورية التعليمي

الأكثر قراءة

  • طلاب المعهد الزراعي يشاركون  في الدورة الأفرو-عربية بجامعة القاهرة

    طلاب المعهد الزراعي يشاركون  في الدورة الأفرو-عربية بجامعة القاهرة

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • كامل: 250 جنيهاً زيادة شهرية للإداريين وفئات من العاملين بالنقل العام

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • كل ما عليك معرفته عن برج الثور الرجل

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • مدرسة براعم 15 مايو تتصدر قائمة أوائل الإعدادية

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
لوجو جريدة الجمهورية
جريدة الجمهورية هي صحيفة قومية أنشأتها ثورة 23 يوليو عام 1952, صدر العدد الأول منها في 7 ديسمبر 1953م, وكان الرئيس الراحل محمد أنور السادات هو أول مدير عام لها, ثم تعاقب على رئاسة تحريرها العديد من الصحفيين ويتولي هذا المنصب حالياً الكاتب الصحفي أحمد أيوب.

تصنيفات

  • أجراس الأحد
  • أخبار مصر
  • أهـلًا رمضـان
  • أهم الأخبار
  • إقتصاد و بنوك
  • الجمهورية أوتو
  • الجمهورية معاك
  • الدين للحياة
  • العـدد الورقـي
  • برلمان و أحزاب
  • تكنولوجيا
  • حلـوة يا بلـدى
  • حوادث و قضايا
  • رياضة
  • سـت الستـات
  • شهر الفرحة
  • عاجل
  • عالم واحد
  • عالمية
  • عرب و عالم
  • عقارات
  • فن و ثقافة
  • متابعات
  • مجتمـع «الجمهورية»
  • محافظات
  • محلية
  • مدارس و جامعات
  • مع الجماهير
  • مقال رئيس التحرير
  • مقالات
  • ملفات
  • منوعات

أحدث الأخبار

مستعدون لتقديم كل التسهيلات لدعم أنشطة المستثمرين

مستعدون لتقديم كل التسهيلات لدعم أنشطة المستثمرين

بقلم جيهان حسن
29 يناير، 2026

«مدبولى» يناقش خطة الاستعداد لاستقبال رمضان

«مدبولى» يناقش خطة الاستعداد لاستقبال رمضان

بقلم جيهان حسن
29 يناير، 2026

استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى التشخيص والعلاج

استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى التشخيص والعلاج

بقلم جيهان حسن
28 يناير، 2026

  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©

لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
إتصل بنا

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©