مع إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلى استعادة والتعرف الإيجابى على رفات الضابط «ران غفيلي» خلال عملية عسكرية شمال قطاع غزة، يطوى الملف الأمنى لآخر الرهائن المحتجزين صفحةً كانت تتخذها تل أبيب ذريعةً لعرقلة المسار السياسي. إن هذا الحدث لا يمثل مجرد ختام لعملية بحث، بل هو إسقاط لآخر العقبات الكبرى التى تحججت بها حكومة الاحتلال الإسرائيلى لشهور طويلة لتعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
لقد ظل ملف «غفيلي» ورقة ضغط سياسية استخدمتها إسرائيل لتأجيل تنفيذ الاستحقاقات الحاسمة فى «الخطة ذات النقاط العشرين»، التى ولدت فى شرم الشيخ منتصف أكتوبر 2025 بمبادرة من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ووساطة مصرية قطرية تركية. واليوم، وبعد استعادة الرفات، الكرة الآن فى ملعب تل أبيب تماماً؛ فقد استنفدت كافة مبرراتها المعلنة للتأجيل، ولم يعد هناك أى مسمى منطقى لعرقلة الانتقال إلى مرحلة «بناء السلام».
إن الانتقال إلى المرحلة الثانية يمثل طوق النجاة لقطاع غزة، إذ يهدف إلى فتح الباب أمام إعادة الإعمار الشاملة بالتوازى مع عملية تفكيك الأسلحة. وهذان الهدفان، الإعمار ونزع السلاح ، يمثلان ركيزتى الاستقرار لنقل غزة من حالة الحرب الدائمة إلى مسار التعافى وقابلية العيش. وبدونهما، سيظل الإقليم حبيس حلقة مفرغة من الدمار تتنافى مع أبسط القيم الإنسانية.
على الصعيد الإنسانى والإقليمي، لم يعد الوضع يحتمل أى مواربة؛ فأكثر من مليونى فلسطينى يواجهون وطأة شتاء قارس بين الأنقاض، بعد عامين من القصف والتهجير القسرى ونقص الدواء والغذاء. وفى هذا السياق، تبرز أهمية تحذيرات الرئيس عبد الفتاح السيسى، حينما دق ناقوس الخطر من تداعيات أى محاولة لتفريغ القطاع سكانياً. إن التهجير الجماعى ليس مجرد مأساة فلسطينية، بل هو صاعق تفجير قد يدفع بمئات الآلاف نحو البحر المتوسط وأوروبا، مما يهدد بزعزعة استقرار المنطقة والقارة الاوروبية على حد سواء.
إن إعادة إعمار غزة ليست مجرد خطة اقتصادية، بل هى ضرورة أخلاقية وعملية لمنع تحول القطاع إلى بؤرة دائمة لعدم الاستقرار. ومع استنفاد إسرائيل لذرائعها، يجب على المجتمع الدولى والأطراف الراعية لاتفاق شرم الشيخ ممارسة ضغط موحد وحاسم على تل أبيب لإزالة أى عوائق بيروقراطية متبقية.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق الشروط المسبقة إلى منطق الفعل. فالسلام الحقيقى لا يبنى على التسويف، ولا على استثمار المعاناة الإنسانية كورقة تفاوض. ومع سقوط الذريعة الأخيرة، لم يعد مقبولًا تأجيل استحقاقات إعادة الإعمار وإنقاذ غزة من مصير مجهول. لقد انتظر أهل القطاع طويلًا، وأى تأخير إضافى لن يكون سوى إمعان فى تعميق الجرح، وتهديد مباشر لأمن المنطقة والعالم.
إن السلام الحقيقى يتطلب أفعالاً ملموسة لا شروطاً لا تنتهي، وقد آن الأوان لترجمة الوعود الدولية إلى واقع ينهى معاناة أهل غزة الذين انتظروا طويلاً تحت الأنقاض.









