كان مارك كارنى رئيس وزراء كندا واضحاً ودقيقا ومركزاً عندما قال فى منتدى دافوس الذى عقد الثلاثاء الماضى «إذا لم تكن على الطاولة فأنت فى قائمة الطعام» ذلك فى وصفه للحالة العالمية الجديدة التى تشهدها العلاقات بين دول أوروبا وأمريكا تلك الدول التى أدخلها ترامب فى دائرة الفرائس أى فى قائمة الطعام وكانت قبل ذلك على الطاولة تلتهم ما فى القائمة من أطايب المأكولات.
هذا الذى قاله رئيس وزراء كندا فى دافوس لم يزد عما قاله الشاعر العربى الذى لخص قانون الغاب هذا الذى لا يعرف إلا القوة دون تجميل أو دون التخفى خلف ادعاءات كاذبة كما يتخفى الغربيون الآن للضغط على إيران لصالح سيطرة إسرائيل على المنطقة كلها- فيتباكون على المتظاهرين ويدعون العمل على حمايتهم وكأنهم لا يرون أهل غزة الذين مازالوا يموتون بصواريخ إسرائيل التى لم تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار ولا يرون أهل غزة الذين يموتون برداً وجوعاً.
أقول لم يزد قول رئيس الوزراء الكندى عن قول زهير بن أبى سلمى الذى يحدد قواعد قانون القوة أو قانون الغاب أو الحياة بلا ضوابط سوى ضابط القوة:
«ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
أما قريط التميمى فقد وصف الذين استغلوا هذا القانون وتفاعلوا معه واستعدوا لهذا المنهج العالمى فقال يصفهم:
«قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم
قاموا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
النائبات على ما قال برهانا»
لكن الحقيقة الدامغة تتمثل فى أن ترامب لم يخل بالقانون الدولى الذى وضعه المنتصرون بعد الحرب العالمية الثانية ليحقق لهم بما يسمى القانون وبما يسمى صندوق النقد وما يسمى الأمم المتحدة ما لم تحققه الحروب على أن تكون أمريكا وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفيتى السابق «روسيا حالياًً» والصين فوق هذه القوانين أما بقية العالم فهم الضحايا المنتظرة لأدوارها.
إذن فالعالم كان يعيش بما يسمى القانون الدولى فى غابة أنيقة لا يبدو عليها أخلاق الغابة وإنما يتم فيها التهام الضحايا بمظلات تبدو قانونية لتبدو القوى الغاشمة ملتزمة بالقانون وإن كانت هذه السباع الضارية قد صنعت ربيبة لهم فى إطار حربهم الممتدة على الإسلام والمسلمين وهى إسرائيل تصول وتجول فى ضعفاء ترتكب فيهم أبشع الجرائم دون حساب فإذا ما قام المظلومون بالرد قام أولئك الذين على طاولة الطعام بالدفاع عنها وحمايتها بالقانون الدولى وغير القانون الدولى الأمر الذى دفع مجرم الحرب رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بالتساؤل مستغرباً من الجنائية الدولية عندما حكمت عليه ودعت إلى القبض عليه قائلا: «إنها محكمة قامت للدفاع عنا وليس اتهامنا».
وقامت أمريكا وإسرائيل وبريطانيا بتهديد المحكمة ورئيسها ومسئوليها بل وعقاب المحكمة بمختلف العقوبات بشكل شديد الفجاجة وقد اعترفت بريطانيا مؤخراً بذلك أما أمريكا فقد جاهرت إلتزاما بمنطقها الجديد الذى يسير عارياً واضحاً دون ساتر.
من هنا فإن أصوب ما جاء فى دافوس ما قاله رئيس وزراء كندا وهو: «النظام القديم انتهى ولن نرثيه.. حين تتوقف القواعد عن حمايتك، عليك أن تحمى نفسك. يجب أن نواجه العالم بأعين مفتوحة كما هو، ولا ننتظر ليكون كما نريده. على القوى متوسطة الحجم أن تعمل سوية، لأنها إذا لم تكن على الطاولة كانت على قائمة الطعام. عندما يتفاوض كل منا على حدة مع القوة المهيمنة، نتفاوض من موقع الضعيف، نقبل ما يعرض علينا، نتنافس بيننا من يكون أكثر ممالأة. هذه ليست سيادة، بل تظاهر بالسيادة. لدينا خيار: إما التنافس لنيل الرضا أو صنع مسار ثالث فاعل ومؤثر.»









