فى قلب مديرية التحرير، حيث امتزج الحلم الوطنى بالعمل الشاق، تقبع قرية مصرية هادئة اسمها «أم صابر». قد يبدو الاسم بسيطًا، وربما لا يلفت الانتباه للوهلة الأولي، لكن ما تزرعه هذه القرية الصغيرة جعلها اليوم مقصدًا لخبراء الغذاء والتجارة فى أوروبا والعالم. هنا، تُنتَج واحدة من أفضل أنواع الفراولة عالميًا، فراولة أصبحت عنوانًا للجودة والتميز، وبصمة مصرية خالصة فى أسواق شديدة التنافس.
>>>
«أم صابر» ليست مجرد قرية زراعية، بل هى رمز حيّ لمشروع وطنى كبير حمله جمال عبد الناصر فى خمسينيات القرن الماضي، حين أسس مديرية التحرير باعتبارها أحد أضخم مشروعات التنمية الزراعية المستدامة فى القرن العشرين. لم تكن الفكرة مجرد استصلاح أرض، بل بناء إنسان جديد، ومجتمع جديد، وعلاقة مختلفة بين الدولة والمواطن.
>>>
فى تلك السنوات، كانت «أم صابر» القرية الأولى التى استقبل فيها عبد الناصر ضيوفه الدوليين الكبار:
خروتشوف، وتيتو، وسوكارنو. لم يكن الاختيار مصادفة، بل رسالة سياسية وتنموية واضحة؛ هذه الأرض الجديدة، وهؤلاء الفلاحون الجدد، هم صورة مصر التى تريد أن تقدم نفسها للعالم. كانت القرية آنذاك نموذجًا يُجسّد الأمل فى أن التنمية الحقيقية تبدأ من الريف، ومن الفلاح، ومن العمل المنتج.
>>>
مرّت السنوات، وتغيّرت السياسات، وتراجعت أحلام، وتعثّرت أخري، لكن «أم صابر» لم تختفِ من الذاكرة ولا من الجغرافيا. عادت اليوم لتسترد بهاءها، لا عبر الخطب والشعارات، بل عبر الفراولة. محصول صغير فى شكله، عظيم فى دلالاته. فقد أجاد أبناء القرية زراعته، وتعلّموا تقنيات تجهيزه، وطوّروا أساليب تصديره، حتى أصبح إنتاج «أم صابر» يغزو أسواق أوروبا والعالم، ويبحث عنه المستوردون بوصفه منتجًا عالى الجودة، ملتزمًا بالمعايير الدولية.
>>>
الفراولة هنا ليست مجرد فاكهة، بل قصة صبر وخبرة وتراكم معرفة. هى نتاج علاقة طويلة بين الأرض والإنسان، بين التجربة والخطأ، وبين السوق المحلى والعالمي. ومن قرية كانت يومًا ما رمزًا لمشروع قومي، خرج منتج زراعى يحمل الروح نفسها: روح الاعتماد على الذات، والعمل الجماعي، والإيمان بأن الريف قادر على المنافسة العالمية إذا أُتيحت له الفرصة.
>>>
ولم تكن «أم صابر» غائبة عن الوجدان الثقافى المصري. ففى عام 1957، كتب الشاعر الكبير صلاح جاهين قصيدة عن القرية، لحنها محمد الشريف، وجاءت كلماتها معبّرة عن حلم جيل كامل، حلم الأرض والحرية والعمل. يقول جاهين:
>>>
يا حمام البر سقف طير و هفهف حوم ورفرف علا كتف الحر وقف و القط الغله
سلامات يسعد صباحك دى بلادنا خد براحـك يا حمام افرد جناحك تسلم ان شاء الله
يا رفاقه الجو خالى وحمامنا فـ العـلالــى يا ما كان الدم غالى والطبيب اللــــه
يا ما راح نسمع بشاير طلى ياما يا ام صابـر مبقاش ع الجسر غادر ماشى يتســـلا
مبقاش ع التل غيرنا و الحبايب بتناصرنـــا
>>>
كانت الأغنية آنذاك نشيدًا للتنمية، للاطمئنان، وللإيمان بأن الغد أفضل. وحين نقرأ هذه الكلمات اليوم، ندرك أن ما بقى من الحلم لم يكن فى الشعارات، بل فى القرى التى واصلت العمل بصمت، مثل «أم صابر».
>>>
ما يحدث اليوم فى هذه القرية يفتح بابًا مهمًا للتفكير: كيف يمكن لمناطق الريف المصرى أن تتحول إلى علامات تجارية عالمية؟ وكيف يمكن لمنتج زراعى أن يكون سفيرًا لبلده أكثر من ألف حملة دعائية؟ التجربة تقول إن النجاح لا يحتاج دائمًا إلى ضجيج، بل إلى رؤية، واستمرارية، وربط ذكى بين الإنتاج والأسواق.
>>>
«أم صابر» التى يبحث عنها الأوروبيون اليوم ليست فقط بحثًا عن فراولة جيدة، بل عن قصة نجاح حقيقية، عن نموذج يمكن البناء عليه. هى دليل على أن التنمية إذا زُرعت بصدق، قد تتأخر، لكنها لا تموت. وأن الأرض التى استقبلت قادة العالم فى خمسينيات القرن الماضي، ما زالت قادرة على استقبال العالم، لكن هذه المرة عبر صناديق الفراولة التى تحمل اسمها، وتسافر من قلب الريف المصرى إلى موائد بعيدة.









