عُقد المنتدى الاقتصادى العالمى فى دافوس وسط طقس قارس البرودة، يصل فى بعض لحظاته إلى حدّ الزمهرير، بينما كانت النقاشات داخل قاعاته على النقيض تمامًا؛ ساخنة، محتدمة، وأحيانًا على حافة الغليان. فى هذا التناقض الحاد بين الخارج والداخل، وصلتُ إلى دافوس باحثًا عن الخيط الناظم لكل ما يجرى حولى من جلسات وفعاليات تبدو فى ظاهرها متفرقة ومتشعبة.
>>>
وبعيدًا عن التفاصيل التقنية، والتحليلات الأكاديمية، والاستنتاجات النظرية، تكشّف لى سريعًا أن العنوان العريض لكل ما يدور هنا هو كلمة واحدة: القوة. الجميع يبحث عنها، يسعى إليها، ويعرض نفسه فى سوقها المفتوح. لا أحد يتحدث كثيرًا عن القيم أو المبادئ أو السلام أو الحقوق إلا بقدر ما تخدم هذه المفاهيم ميزان القوة. محركات البحث الحقيقية فى دافوس لا تستجيب إلا لمن يمتلك أوراق القوة أو يبحث عن طرق جديدة لاكتسابها.
>>>
خرجت من القاعات لأتجول فى أروقة المنتدى ومساحاته المفتوحة، فكان المشهد أكثر وضوحًا. حضور طاغٍ ومكثف للشركات الكبرى متعددة الجنسيات، عروض استثمارية مغرية، وواجهات مصممة بعناية لجذب من يملك القرار والمال. لم يكن المنتدى مجرد منصة حوار، بل أقرب إلى معرض عالمى للقوة الاقتصادية.
>>>
لفت نظرى وجود مقرات واضحة لعدد من الدول، تستقبل فيها زوار المنتدي، وتقدم نفسها باعتبارها فرصًا مفتوحة للاستثمار والشراكة. رأيت بيت الهند، وبيت نيجيريا، وبيت جنوب إفريقيا، إضافة إلى أجنحة منظمة لكل من الإمارات وقطر والسعودية، إلى جانب حضور لافت لشركات عربية كبرى نجحت فى أن تحجز لنفسها مساحة مرئية ومؤثرة.
>>>
بحثت عن جناح لمصر، أو حتى لشركة مصرية ذات حضور دولي، لكننى لم أجد لا هذا ولا ذاك. كان الغياب رغم الحضور صادمًا، ليس لأن مصر تفتقر إلى ما تقدمه، بل على العكس تمامًا. فمصر تمتلك أوراق قوة حقيقية فى قطاعات متعددة؛ فى الاستثمار لدينا المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التى تحدث عنها الرئيس بنفسه فى جلسات المنتدي، وفى السياحة لدينا المتحف المصرى الكبير كمشروع حضارى وسياحى فريد، ولدينا موانئ ومطارات ومراكز لوجستية تحتاج تطويرا وإدارة حديثة، ويمكن أن تكون محط اهتمام كبار المستثمرين.
>>>
كان من المفترض أن يسبق ذلك المنتدى ترتيبات مبكرة، يشارك فيها القطاع الخاص جنبًا إلى جنب مع الحكومة، فى إطار رؤية موحدة، بعيدًا عن التشرذم وتعدد المسارات. لا يمكن تجاهل وجود شخصيات مصرية بارزة فى مجالات المال والأعمال والفكر والسياسة شاركت فى المنتدي، لكن هذه المشاركات ظلّت فى معظمها ذات طابع فردى أوشخصي، بلا مظلة وطنية جامعة، وبلا عنوان واضح يقول: هنا مصر.
>>>
ما كان ينقص دافوس هذا العام هو البيت المصري؛ مساحة مفتوحة، منظمة، ومرئية، يرتادها رواد المنتدى ممن يتحكمون فعليًا فى مفاصل الاقتصاد العالمي. بيت لا يروّج فقط للمشروعات، بل يروى قصة دولة، ويعرض رؤيتها، ويخلق جسور تواصل مباشرة مع صناع القرار والاستثمار.
>>>
أتمنى أن يسمع هذا الطرح أحد المعنيين، أو يقرأه مختص فيفكر بجدية فى الترتيب المبكر لمنتدى دافوس القادم، بدلًا من ترك الأمور للصدفة أو للاجتهادات الفردية. فمثل هذه المنصات لا تحتمل منطق: «أنا مالي، واللى ييجى بعدى يعمل اللى هو شايفه».
>>>
وأكثر ما أخشاه الآن، أن يخرج أحدهم ليقول: «أنت مخطئ، كانت هناك مشاركة مصرية منظمة تضم الحكومة والقطاع الخاص، وقد تم شرح الفرص الاستثمارية فى كل القطاعات، لكنك لم تنتبه». عندها ستكون الكارثة مدوية؛ لأن الأفراح لا تُقام فى السر، ولا تُدار الفرص الكبرى تحت جنح الظلام.









