سبق أن أشرت إلي أن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تحديات معقدة ومتسارعة، تفرض علينا ضرورة الرجوع إلي فطرتنا التي ولِدنا بها، والبعد عن سلوكيات خاطئة تحولت للأسف إلي أسلوب حياة، ولذلك يصبح لزاماً علينا جميعاً أن نعيد النظر من حيث المبدأ، إلي «الفعل البناء» الذي يعمر ولا يهدم، وإلي «الكلمة الحسنة» التي ترضي ولا تجرح وتحرج ولو حتي دون قصد، وإلي «الموسيقي المبهجة» التي تسعد الروح دون أن تفسدها، وإلي «الفن الهادف» الذي يرتقي بالإنسان بدل أن يسحبه إلي القاع ويضعف شخصيته، هذه القيم ليست مجرد كلمات نرددها «وخلاص» أو شعارات نرفعها، بل هي الطريق الأمثل للاستثمار الحقيقي في الإنسان، خاصة في الصغار والشباب، باعتبارهم عماد المستقبل وأساس نهضته .
ولا شك أن طريق تصحيح السلوكيات الفردية قبل الجماعية داخل المجتمع ليس سهلاً، وستواجهنا تحديات صعبة ومعقدة، فلابد من الضروري التسلح بأدوات وأساليب جديدة ومختلفة، وفي مقدمتها توظيف استخدام التكنولوجيا الحديثة لصالحنا وليس ضدنا، ولعل ما قامت به وزارة الداخلية في مواجهة الجرائم الإلكترونية المعلنة بالضبط الفوري، خير مثال علي الكلام، حيث ساهمت جهودهم والمتابعة الأولية للأنترنت بشكل عام وكافة وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص، في اختفاء العديد من الجرائم، وفي تقليص انتشار السلاح إلي حد كبير، كما أنهت بشكل ملحوظ حكايات بلطجة المجرمين والخارجين عن القانون وهذا انعكس إيجابياً علي الشارع المصري وبات أكثر أمناً وهدوءاً .
ولا يمكن الحديث عن الاستثمار في الإنسان وبناء الوعي دون التوقف أمام التجربة الرائدة التي قدمها برنامج «دولة التلاوة»، الذي نجح في بث روح جديدة في وجدان المجتمع، وأعاد الاعتبار لمكانة القرآن الكريم في الوعي الجمعي المصري، وقيمة التلاوة الصحيحة، من خلال مساهمته في اكتشاف المواهب الحقيقية والصغيرة، وربط الأجيال الجديدة بهويتهم الدينية الوسطية، كما قدم البرنامج نموذجاً راقياً للإعلام الهادف القادر علي الجمع بين المتعة والرسالة، وبين الأصالة والتجديد، كما أعاد إلي الذاكرة المصرية أمجاد مدرسة التلاوة العريقة، ورسخ مفاهيم الجمال الروحي والانضباط الأخلاقي، ليصبح مثالاً يحتذي به في كيفية توظيف الإعلام لخدمة القيم الإنسانية وبناء الإنسان .
وعلي سبيل المثل الشعبي «التعلم في الصغر كالنقش علي الحجر»، اقترح إدخال مادة دراسية متخصصة بالسلوك والأخلاق ضمن المناهج التعليمية منذ المرحلة الابتدائية، علي غرار مادة التربية القومية، بحيث تصبح جزءاً أصيلاً من نظام التعليم الرسمي في المدارس، وبهذه الخطوة يمكن تشكيل سلوكيات الأفراد في المجتمع، علي المدي القريب والبعيد، وسوف تساهم في خلق جيل جديد يقدر معاني الأخلاق ويتبعها في سلوكه اليومي ونمط حياته، ليكون في المستقبل قدوة حسنة يبعث التفاؤل للجميع ويصبح مثالاً يحتذي به محلياً وعالمياً .
وفي الختام، أنا متأكد أن البذرة الطيبة موجودة وأرضنا خصبة، والمصريين ولِدوا علي أرضٍ مروية بماء النيل، مما يجعل لدينا القوة والقدرة لتحقيق ذلك إذا اجتمعنا حول الهدف الأسمي وهو بناء الإنسان، ونشر ثقافة الوعي والإدراك لدي جميع أفراد المجتمع، بدءاً من الصغير قبل الكبير .









