بعد أن تشرفت بعضوية المجلس الاستشارى لمنظمة التجارة العالمية، بات واضحًا لى أننا نشهد نقطة تحوّل تاريخية، إذ تراجعت الولايات المتحدة فعليًا عن المنظمة وعن التزاماتها الدولية من خلال فرض رسوم جمركية مفرطة، والسماح بتراكم متأخرات مساهمتها المالية. وقد أضعف ذلك نظام تسوية النزاعات فى المنظمة، وأدى إلى تقليص فعاليات كبرى مثل المنتدى العام لمنظمة التجارة العالمية إلى نصف مدتها المعتادة.
وقد وجّه صديقى العزيز، السيد باسكال لامي، المدير العام الأسبق للمنظمة، تحذيرًا صارخًا خلال كلمته الرئيسية فى مؤتمر «المائدة المستديرة إصلاحات منظمة التجارة العالمية.. ضرورة ملحّة»، الذى خُصص لمناقشة سبل إنعاش المنظمة. وحذّر من احتمال تراجع صادرات الاقتصادات الكبرى بما يصل إلى 40٪، داعيًا جميع الأعضاء إلى تبنّى برنامج إصلاح عاجل وشامل، وهو النداء الذى شاركه فيه جميع أعضاء الجلسة.
يواجه أعضاء منظمة التجارة العالمية اليوم تنامى النزعة الحمائية من الولايات المتحدة، ما قوض الثقة وأوقف آلية تسوية النزاعات. وعلى المدى المتوسط، ينبغى أن نحذر من خطر تشكّل تكتلات تجارية متنافسة. أما على المدى البعيد، فيجب أن نعيد تركيزنا من حماية المنتجين إلى حماية الناس، من خلال دمج الأهداف المناخية وأهداف التنمية المستدامة وإدارة المخاطر فى سياسات التجارة، بما يخدم جميع الدول والصناعات.
وفى الوقت نفسه، أعلنت الصين باعتبارها ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، والمستفيدة سابقًا من المعاملة الخاصة كدولة نامية فى إطار المنظمة لأول مرة تخليها عن هذا الوضع، فى خطوة رحبت بها بحرارة المديرة العامة الحالية لمنظمة التجارة العالمية، نغوزى أوكونجو- إيويالا. يُعد هذا حدثًا مهمًا على صعيد إصلاح المنظمة، إذ يعكس عزم الصين على تعزيز القواعد متعددة الأطراف، واستعادة الثقة فى نظام تجارى قائم على التوقعات، وتولى دور قيادى أكبر فى وقت تهدد فيه التوترات الجيوسياسية بتمزيق النظام القائم.
وبينما نتطلع إلى المؤتمر الوزارى الرابع عشر لمنظمة التجارة العالمية فى مارس المقبل، يقترح دعاة الإصلاح تشكيل تحالف من الدول الراغبة فى قيادة جهود تعزيز آلية تسوية نزاعات متجددة، وإطلاق أجندة إصلاحية تضع الشركات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى النساء والشباب، فى صميم أولوياتها.
أنا أؤمن بأنه إذا توحدنا فى هذا النهج، فإن منظمة التجارة العالمية ستخرج بمزيد من القوة والمرونة لتثبيت استقرار الأسواق، وترسيخ مبادئ العدالة وعدم التمييز.. أما إذا تأخرنا، فإننا نخاطر بترك التجارة العالمية رهينة لإجراءات أحادية متقلبة، وتعميق الانقسامات القائمة أصلاً.









