«ولا أظننى سوف أنسى ذلك اليوم الذى سمعت فيه أسوأ التنبأت المتشائمة».. هكذا وصفت جولدا اليوم الأول للعبور مع اكتمال الصورة لديها من خلال تقارير الجيش والمخابرات والأجهزة الداعمة من اصدقائها، لكن المفزع فى شهادة جولدا بعد اكتمال بناء المصريين لرءوس الكبارى عقب عبور خمسة فرق مقاتلة، ورفع العلم المصرى على الضفة الشرقية من قناة السويس؛ كان المفزع هو حديث موشيه دايان وزير دفاعها، فتقول: «فى عصر يوم السابع من أكتوبر عاد دايان من إحدى جولاته على الجبهة، وطلب مقابلتى على الفور، وعندما قابلته، أبلغنى أن رأيه فى الموقف فى الجنوب «تقصد الجبهة المصرية» قد وصل إلى درجة من السوء لحد أننا يجب أن نقوم بانسحاب جذري، ونقيم خطا جديدا للدفاع، واستمعت إليه فى فزع».. واترك للقاريء العربى والعبرى والغربى تقييم اعتراف جولدا المدعوم براى وزير جيش الدفاع، وكلاهما قد ملاء الدنيا طنينا مغروراً بأن جيش إسرائيل لا يقهر، والحقيقة أنه عندما كانت المواجهة الفعلية على الأرض مع المصريين، اعترفت جولدا فى شهادتها بالفزع، ونقلت عن دايان ذات الشعور، ومن قبل يوم واحد كان سكرتيرها العسكرى هو أيضا مصابا بالفزع عندما ابلغها بعبور المصريين، ويبدو وأن عبور المصريين لم يسبب هزيمة عسكرية لجيش الدفاع وكيانه فقط وإنما أيضا كان سبب فى أمراض نفسية عضال اصابت قادة الكيان السياسيين والعسكريين، فهل هذا الهلع والفزع انعكاسا لانتصار الصهاينة؟! الإجابة؛ بالتأكيد كان الفزع هو انعكاسا للصورة الذهنية التى تكونت لدى قادة الكيان عن هزيمتهم النكراء.
وتقول جولدا: «كان فى الغرفة كل من ألون وجاليلى وسكرتيرى العسكرى فطلبت بحضور دادو» «تقصد ديفيد رئيس الأركان» وتستطرد: «ودعوت الحكومة إلى اجتماع فى ذلك المساء، وحصلت على موافقة الوزراء بالهجوم المضاد على المصريين يوم الثامن من أكتوبر».
تعترف جولدا بأنها فقدت التركيز بالكلية حتى أنها تقول: «وعندما أصبحت بمفردى بالغرفة اغلقت عينى وبقيت بلا حراك تماما».. يبدو أن الصدمة جعلت اعتراف جولدا أكثر واقعية وبعيدا كل البعد عن التجمل أو الدبلوماسية، لدرجة أنها اعترفت ايضا بالمأساة الكبرى: «كان المصريون قد عبروا القناة وكانت قواتنا قد تحطمت».. وهنا تحتار جولدا بين الاعتراف العلنى أمام الأمة العبرية بالهزيمة أو بين الاستمرار فى القيام بما يبرعون فيه «الكذب» فتقول: «وثار سؤال حارق، هل نبلغ الأمة عند هذا الحد مدى السوء الذى بلغه الموقف، وكان لدى احساس بأننا يجب أن ننتظر قليلا».. هى لا تريد مصارحة شعبها التى ظلت لسنوات ست تكذب عليه، تري، هل جولدا كانت رحيمة بشعبها من أن تصدمه فتسوف الصدمة؟! أم أنها وبعفوية تفعل ما تبرع به- حتي- تجاه ناخبيها وشعبها، وتخون القسم؟!
فوضت إستراتيجية واضحة للكذب، فقالت: «كان أقل ما يجب أن نفعله من أجل جنودنا ومن أجل عائلاتهم، أن نحتفظ لأنفسنا بالحقيقة عدة أيام أخري».. «الهزيمة» هى الحقيقة التى انكروها هم أنفسهم فكيف يواجهون بها شعبهم، وقد بنوا شعبيتهم الأسطورية من الكذب، فكيف يغيرون إستراتيجيتهم؟!
فى القادم إن شاء الله تتكشف مغبة اتخاذ قرار الهجوم المضاد على المصريين ومذبحة الدبابات!.









