د.
تكاثرت المخاوف فى أوروبا مؤخراً بشأن إمكانية تخلى الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، عن حلف شمال الأطلسي,لاسيما أنه خلال فترة ولايته الأولي، هدد بالانسحاب من الحلف العسكري، إذا لم تف الدول الشريكة بالتزامها بإنفاق ما لا يقل عن 2 ٪ من ناتجها المحلى الإجمالى على الدفاع.. وبات السؤال مطروحا: هل يلغى ترامب الوجود العسكرى الأمريكى الكبير الذى حافظت عليه واشنطن لعقود فى أوروبا لاسيما مع إعلان الولايات المتحدة أكثر من مرة أنها تعيد تركيز اهتمامها على الصين؟، وجاء هذا التوجه مصحوبًا بتقارب مع موسكو لم يخل من نبرة سخرية من حلفاء أمريكا التاريخيين، مما أثار مخاوف أعضاء حلف الناتو.
يتبنى الرئيس ترامب استراتيجيةً وضعها الأكاديمى المحافظ سومانترا مايترا، تقترح «حلف ناتو خامداً»، بموجبها يُسحب الجنود والمعدات الأمريكية من أوروبا، مع احتفاظ القارة بالمظلة النووية الأمريكية والوجود البحرى وقد يُقلص ترامب عشرات الآلاف من الجنود النشطين المتمركزين فى جميع أنحاء أوروبا، والذين يتركزون بشكل كبير فى وسطها.
فى مارس الماضى تحدث ترامب قاصدا دول الناتو: إذا لم يدفعوا فلن أدافع عنهم وأعرب مرة أخرى عن شكوكه بشأن بند الدفاع المتبادل، فى معاهدة حلف شمال الأطلسى وتساءل الرئيس ترامب عما إذا كان قادة دول الناتو سيقفون بالفعل إلى جانب الولايات المتحدة فى حالة الطوارئ قائلا: «إذا كانت الولايات المتحدة فى ورطة واتصلنا بهم، وقلنا لهم: لدينا مشكلة، فرنسا، وبلدين آخرين لن أذكرهما. هل تعتقد أنهم سيهبون لحمايتنا؟ من المفترض أن يفعلوا ذلك».. لكنه أضاف: «أنا لست متأكدا من ذلك».
يعتمد حلف الناتو كتحالف دفاعى على مبدأ الردع، والمادة 5 من معاهدته تنظم الالتزام الدفاعى المشترك للحلف، وتنص على أن أى هجوم مسلح ضد واحد أو أكثر من الحلفاء يعتبر هجوما ضد الجميع, ولم يتم استحضار هذه المادة إلا مرة واحدة فى تاريخ حلف الناتو، وذلك دعما للولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر عام 2001.
لكن السؤال كيف سيسحب ترامب الولايات المتحدة من الناتو إذا أراد؟
فى تصورى أن ترامب، لن يكون مضطرا إلى الانسحاب من الناتو لتفكيكه فلديه خيارات عدة إذا رغب فى تقويض التحالف دون انسحاب رسمى المطلوب فقط أن تُضعف إدارة ترامب الثقة التى يقوم عليها وجود التحالف واعتقد هذا بدأ بالفعل.
للانسحاب رسميا من (الناتو)، يتعين على إدارة ترامب تقديم إشعار مدته عام واحد، وفقًا للمادة 13 من ميثاق الحلف. وفى إشارة إلى الثقة فى الالتزام الأمريكى الثابت، يجب تسليم الإشعار إلى الحكومة الأمريكية، ثم تقوم واشنطن بإبلاغ الدول الأخرى بهذه الخطوة لكن هناك عدة طرق أسهل لترامب يمكن أن يتبعها من شأنها أن تؤدى إلى تفكك التحالف دون الحاجة إلى المرور بإجراءات الانسحاب هذه فمثلا المادة الخامسة وهى أساس حلف الناتو تُلزم الدول الأعضاء بمساعدة أى عضو يتعرض لهجوم مسلح، بالرد الذى تراه مناسباً كل ما هو مطلوب فى الواقع أن تشكك دول الحلف فى التزام أمريكا بهذه المادة، وأن يشكك خصوم التحالف فى هذا الالتزام,ولقد بدأت الثقة تتآكل بالفعل الأمر يتعلق بالشك الذى بدأ يتسلل حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستلتزم حقا أم لا؟.
ترامب لمح أكثر من مرة علناً إلى أن الولايات المتحدة ستدافع فقط عن الدول الأعضاء فى حلف شمال الأطلسى التى أنفقت ما تعتبره الإدارة كافيًا على الدفاع، وهو ما من شأنه أن يعوق التحالف وذكرت تقارير فى مارس الماضى نقلا عن مسئولين دفاعيين ووثيقة من البنتاجون، أن إدارة ترامب تدرس التخلى عن سيطرة أمريكا على دور القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسى فى أوروبا ويبدو من المرجح أن تُخفّض الولايات المتحدة وجودها العسكرى فى أوروبا، وأن يكون العسكريون المتبقون أقل تفانيًا فى الدفاع عن أوروبا، فقط قد تبقى الولايات المتحدة على قواعدها وجنودها المتمركزين هناك لبسط نفوذها فى الشرق الأوسط والحفاظ على أنظمة الإنذار المبكر بالصواريخ، ولكن ليس لردع روسيا عن مهاجمة أوروبا.
وبعد حديث ترامب عن نيته الاستيلاء على جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك عضو الناتو, أصبح احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الناتو أو بتوصيف آخر تخليها عن أوروبا محتملاً بدرجة كبيرة.









