الإسراء والمعراج حدث ربانى فريد ليس مجرد معجزة لسيد الخلق فقط.. بل إنه حدث فريد جعله الله نوراً ودرساً ربانياً للبشرية حتى يوم القيامة.. فى كل يوم تنير المعجزة بأنوار ربانية.. فالحبيب محمد صلى الله عليه وسلم فى هذه المعجزة أعطانا دروساً بليغة تصلح لكل زمان ومكان.. ففى هذا العصر الذى يتسم بالتكنولوجيا الحديثة والتطور التكنولوجى والعلمى.
رحلة الإسراء حدثت فى جزء من الليل.. فى المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى.. ثم كانت رحلة المعراج فى نفس الجزء من الليل حيث رفعه الله من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى وهو أمر لم يحدث لعبد من عباد الله ولا نبى من أنبياء الله سوى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى لمسة حنان لحبيبه محمد وهو فى عام الحزن وبعد أن ضاقت به السبل.. ولم تكن تلك اللمسة الأولى بل سبقها سورة الضحى بعد أن تأخر سيدنا جبريل بالوحى لأيام عن حبيبنا صلى الله عليه وسلم فنزلت سورة الضحى «والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى» وهو وعد إلهى بأن يرزق حبيبه بالرضا.. وهو أعظم عطاء.
وكانت رحلة الإسراء والمعراج دليلاً جديداً على العطاء الربانى ورزق الحبيب بالرضا.. وصدق العبودية.
وقد بدأ الحديث عن الإسراء فى سورة الإسراء «سبحان الذى أسرى بعبده» فكلمة سبحان دليل على أن الحدث إلهى خارج عن إرادة البشر.. ففيه العبودية الإلهية الحق وهى دليل المعجزة على مر الزمان.. فعندما يصنع الإنسان صاروخاً عابراً للقارات.. فعليه أن يعلم أن من خلقه سبحانه وتعالي.. من مئات السنين أسرى بعبده محمد ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج إلى السماء.. وعاد إلى مكة.. وكانت الرحلة كلها فى جزء من الليل..!!
ولأن التوحيد هو الأصل فى الدين.. لذلك كانت معجزة الإسراء والمعراج ليست معجزة لمحمد عليه الصلاة والسلام بل معجزة ربانية تؤكد معنى التوحيد لأنه سبحانه وتعالى وحده القادر على ذلك.. ولذلك فهو الذى أسرى بعبده ونسب سيدنا محمد بالعبودية إلى الله «عبدالله» أو كما فى السورة «أسرى بعبده» هو أعظم تكريم لسيدنا محمد أن يكون عبدالله ورسوله.. فى كل وقت وكل زمان.. وهذا يعطى رسائل المعجزة الكبرى ولكن هناك رسائل أخرى لابد أن نشير إليها فى عجالة:
أولاً: فرضت الصلاة فى هذه الرحلة الربانية والمعجزة الإلهية.. ولذلك كانت الصلاة هى عماد الدين وبيننا وبين الكفر الصلاة.. ويجب ألا ننسى أنها كانت آخر وصية لحبيبنا محمد صاحب الإسراء والمعراج قبل موته.
ثانياً: ما يحدث الآن فى فلسطين المحتلة والاستعمار الصهيونى للقدس والمسجد الأقصى.. كان رسالة ربانية أن هذه المنطقة التى بارك الله فيها علينا أن ندافع عنها ونذود عنها فكانت الرحلة الربانية «الإسراء والمعراج» رسالة للدفاع عن المسجد الأقصى والقدس بعد مئات السنين حيث يعلم الله وهو علام الغيوب أنها ستتعرض لما تعرضت له.
ثالثا: رحلة الإسراء والمعراج لها معان عديدة ومفاهيم تعيش على مر الزمن.. فالرحلة من مكة إلى المسجد الأقصى رحلة أرضية لكن رحلة المعراج رحلة سماوية رفيعة.. إلى سدرة المنتهى ثم قاب قوسين أوأدنى.. وهى منزلة لم ينلها عبد من عباد الله سوى سيدنا محمد.. ويجب أن تكون تلك رسالة ربانية لنا فى كل عمل طيب.
رابعاً: يروى الإمام القشيرى عن رسولنا الكريم أنه وهو على البراق نودى عن يساره ونودى عن يمينه فلم يلتفت هنا أو هناك فقال له جبريل عليه السلام ناداك منادى اليهودية عن يمينك وناداك منادى النصرانية عن يسارك فلم تلتفت لهذا أو ذاك ولو التفت له تهودت أمتك أو تنصرت.. وهذا هو منهاج المصطفى عليه الصلاة والسلام.. فإن من صح إلى الله قصده لم يلتفت طريقه إلى شىء.. ومن يخلص النية لله ولا يشغله عن الله شاغل يكون طريقه هو الصواب والذى هداه إليه الله.. فلا يشغلنا عن الله شىء.
خامساً: رحلة الإسراء والمعراج رحلة سماوية لها قيمتها ومكانتها ولذلك فإن من الخطأ أن نتحدث عنها بطريقة بشرية بل هى معجزة ربانية نورانية تضع محمداً فى مكانه الصحيح عبداً لله رسولاً ونبيا وسراجاً منيراً.. ورحمة للعالمين.
سادساً: الدرس الأهم أن القدرة البشرية مهما كانت فهى محدودة وقدرة الله هى الأعلى والأعظم.. وعلينا أن ننسى قدراتنا البشرية وأن نحسن التوكل على الله والاعتماد عليه وحده سبحانه وتعالى.. وأنه إذا كان أهل الأرض يحاربون نبى الله فى مكة وحاول فى الطائف لكنهم أيضاً حاربوه فإن تكريم الله له فى الإسراء والمعراج علاج ربانى وقيمة عالية.. ولنتذكر جميعاً أننا إذا رجعنا إلى الله وعدنا إليه وتوكلنا عليه حسن التوكل فلا يهمنا حوادث البشر أو حوادث الأرض فإن رب الأرض والسماء فوق كل شيء وأمره هو النافذ.. فلنحسن التوكل على الله.. ولعلها مناسبة رائعة أن تأتى ذكرى الإسراء والمعراج فى هذا التوقيت ونحن نعيش فى عالم تموج فيه الأحداث وتعلو فيه السيئات وترتفع فيه أخطاء البشرية لنعود إلى الله ونثق فى قدرته ونتوكل عليه.. فإنه سبحانه وتعالى قادر أن يسرى بنا من هذا العالم السىء إلى عالم أرحب وأعظم.. ونحن فى حاجة ماسة إلى رحمته وإلى معجزاته فى هذا الزمن الردىء.









