فى السابع من يناير من كل عام، تحتفل مصر بعيد الميلاد المجيد، مناسبة تحمل فى طياتها معانى سامية تتجاوز حدود الطقوس الدينية لتجسد روح الوطن الواحد، تتعانق فيها مشاعر المحبة والتسامح والسلام بين أبناء الشعب المصري، مسلمين ومسيحيين، فى صورة فريدة رسختها قرون طويلة من التعايش المشترك والتقدير والمحبة والاحترام، فمصر التى كانت وما زالت ملتقى الحضارات وموطن الديانات، تقدم للعالم نموذجا حيا لوطن يتسع للجميع دون تفرقة أو تمييز.
على امتداد التاريخ والعصور، تجسدت فى مصر العراقة والأصالة، وبرز النسيج الوطنى المتماسك كأحد أهم مصادر قوتها، لم تكن الوحدة الوطنية يوما شعارا يرفع فى المناسبات، بل واقع يعيشه المصريون فى تفاصيل حياتهم اليومية، وفى لحظات الشدة قبل الرخاء، فالمسجد والكنيسة وقفا جنبا إلى جنب، يظلهما علم واحد، وتجمعهما أرض واحدة وهوية واحدة ومصير واحد.
وتعد الوحدة الوطنية الدعامة الأساسية لقوة وأمن واستقرار هذا الوطن الغالى على قلوب أبنائه جميعا، فمنذ فجر التاريخ الحديث، أثبت المصريون أن تلاحمهم هو سر قدرتهم على تجاوز المحن، ففى ثورة 1919، خرج الهلال مع الصليب فى مشهد خالد، ليؤكد أن الاستقلال لا ينتزع إلا بوحدة الصف، وفى حرب أكتوبر المجيدة، امتزجت دماء أبناء الوطن دفاعا عن الأرض والكرامة، دون أن يسأل أحد عن ديانة زميله فى الخندق، فالجميع جنود لمصر وفقط.
ومع تعاقب الأحداث، استمرت هذه الروح الوطنية حاضرة، وصولا إلى ثورة 30 يونيو، حين اصطف المصريون مرة أخرى لحماية دولتهم وهويتهم، مدركين أن الوطن لا يبنى إلا بتكاتف جميع أبنائه، واليوم، تواصل مصر مسيرتها نحو التنمية والتقدم، مستندة إلى هذا التلاحم الشعبى الذى يشكل صمام الأمان فى مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
إن أعياد الميلاد فى مصر ليست مناسبة تخص طائفة بعينها، بل هى عيد لكل المصريين، تعبير صادق عن قيم المحبة والتسامح والسلام التى تميز الشخصية المصرية، وفى ظل عالم يموج بالصراعات والانقسامات، تبقى مصر مثالا لوطن قادر على حماية نسيجه الاجتماعي، والحفاظ على وحدته، رغم كيد كل حاقد أو حاسد.
كل عام ومصر بخير، وكل عام وشعبها فى سلام ومحبة وقوة، رغم كيد كل حاقد أو حاسد فى رباط إلى يوم الدين، وطن واحد يعيش فينا وليس وطنا نعيش فيه، تجمعنا راية واحدة، اسمها مصر.









