فى لحظة فارقة من تاريخ الدولة، وبعد انتهاء ماراثون انتخابى طويل صاحبه جدل وخروقات استدعت تدخلًا من الرئيس السيسى لتصويب المسار، يفتح مجلس النواب الجديد أبوابه وسط حالة مركبة من الترقب والقلق والأمل. فالمكسب الحقيقي، بعيدًا عن حسابات الفوز والخسارة، يتمثل فى تعزيز حضور المستقلين داخل المجلس، بما يحمله ذلك من فرصة لإعادة الاعتبار لفكرة التمثيل الحقيقي، ولإحياء دور البرلمان بوصفه صوت الناس والمعبر عن طموحاتهم ومطالبهم.
أداء مجلس النواب المنتهية ولايته لم يكن محل إجماع شعبى ولا حتى نخبوى بل كان أداؤه مختلطًا بين إنجازات ملموسة فى إصدار القوانين واستخدام أدوات الرقابة، وبين نقد شعبى ونخبوى لأسباب تتعلق بالتمثيل الفاعل، والعمق الرقابي، وإدارة الأولويات التشريعية، ما يجعل تقييمه موضوعيًا مرهونًا برفع سقف التوقعات فى البرلمان الجديد.
المواطن المصرى لا ينتظر من برلمانه الجديد معجزات بقدر ما ينتظر صدقًا وشعورًا بالمسئولية. البلاد تواجه تحديات اقتصادية ضاغطة، تتقاطع فيها آثار التضخم العالمي، وارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القوة الشرائية، مع أزمات هيكلية متراكمة. وفى الخلفية، مشهد جيوسياسى ملتهب يحيط بالمنطقة من كل اتجاه، حروب وصراعات وتهديدات للأمن القومي، تجعل من الاستقرار الداخلى مسألة وجود لا رفاهية سياسية. هنا، يصبح البرلمان القوى ضرورة وطنية، لا عبئًا على الدولة، لأن غياب الرقابة والمساءلة لا يحمى الحكومات بل يضعفها على المدى الطويل.
ما ينتظره المواطن من مجلسه الجديد أن يمارس دوره الدستورى الكامل؛ تشريع رشيد، ورقابة جادة، ومحاسبة شفافة. الرقابة ليست خصومة مع الحكومة، بل شراكة قائمة على السؤال والمراجعة والتصحيح. المواطن يريد أن يرى نوابه يستخدمون أدواتهم الدستورية «طلبات إحاطة، مناقشات عامة، استجوابات قوية» لا بوصفها لافتات إعلامية، بل آليات حقيقية تعكس نبض الشارع وتدافع عن مصالحه. فالمصريون، رغم ما يُقال عن نسب الأمية، يتمتعون بوعى فطرى وذكاء اجتماعى يجعلهم قادرين على التمييز بين من يعمل للصالح العام ومن يسعى فقط إلى الحصانة ومغانمها.
اقتصاديًا، يتطلع المواطن إلى برلمان يشارك بجدية فى صياغة رؤية طويلة المدى، لا يكتفى بإدارة الأزمات اليومية. تشريعات عادلة، ونقاش حقيقى لأولويات الإنفاق العام، وحماية للفئات الأكثر تضررًا، ودعم للإنتاج المحلى بدلًا من الاستهلاك، كلها مطالب لم تعد قابلة للتأجيل. فالأزمة الاقتصادية لا تُدار بالطمأنة وحدها، بل بالشفافية، وبتحمل المسئولية السياسية عن القرارات الصعبة، وبإشراك ممثلى الشعب فى مناقشتها لا الاكتفاء بإبلاغهم بنتائجها.
وفى ملفات التعليم والصحة، يزداد الرهان الشعبى على دور البرلمان. فالتعليم هو معركة الوعى الأولي، والمواطن ينتظر تشريعات تحقق مزيدًا من التطور والاستقرار وتخفيف الأعباء عن المواطنين، تطور يعيد للمدرسة دورها التربوى قبل التعليمى ويجفف منابع الدروس الخصوصية التى تثقل كاهل أولياء الأمور منذ سنين، تطور يربط المناهج بسوق العمل، ويعيد للمعلم مكانته، ويقلص الفجوة الطبقية فى فرص التعلم وينتهى كما فى كل الدنيا بنظام تعليم موحد وليس كما قائم تعليم حكومى وتجريبى ولغات ودولى وخاص وغيرها من التسميات.
أما الصحة، فلا تزال موضع أمل أن تنتهى الدولة من تنفيذ منظومة التأمين الصحى الشامل ليصبح هناك معيار واحد للخدمات الطبية، وأن يكون العلاج والكشف والتحاليل والعمليات الجراحية فى متناول الجميع بصرف النظر عن قدراته المادية، وهذا اختبار إنسانى للدولة؛ إذ لا معنى للحديث عن التنمية بينما يتحول المرض إلى عبء وجودى على الفقراء. المواطن يريد رقابة حقيقية على منظومة التأمين الصحي، وتسعير الدواء، وتوزيع الخدمة، حتى لا يصبح الحق فى العلاج امتيازًا لا حقًا.
ولا يقل ملف التوظيف والأمن الغذائى إلحاحًا، فى ظل عالم مضطرب جعل من العمل والخبز قضيتين سياديتين. ينتظر المواطن استمرار وجود سياسات تشغيل حقيقية تفتح أبواب الأمل أمام الشباب، وتدعم الصناعة والزراعة والمشروعات الصغيرة، بحلول مستدامة. كما ينتظر المواطن من برلمانه الجديد تشريعات تحمى الأمن الغذائى عبر دعم الفلاح، وتأمين السلع الإستراتيجية، وضبط الأسواق، ومواجهة الاحتكار، لأن استقرار الأسعار لم يعد شأنًا اقتصاديًا فحسب، بل عاملًا أساسيًا فى السلم الاجتماعي.
وعند مقارنة هذا الدور المنشود بما تقوم به برلمانات الدول العريقة ديمقراطيًا، تتضح الفجوة لا بوصفها قدرًا محتومًا بل مسارًا يمكن الاقتراب منه. فى تلك الدول، البرلمان ليس خصمًا دائمًا للحكومة ولا تابعًا لها، بل سلطة مستقلة تراقب وتشرّع وتراجع، وتُسقط حكومات إذا أخفقت، أو تُحصّنها إذا أحسنت الأداء وحققت الرضا الشعبى، الجلسات مفتوحة للنقاش الحقيقي، واللجان البرلمانية مراكز خبرة ودراسات معمقة بضمير وطني، والنائب يُحاسَب انتخابيًا وإعلاميًا على كل موقف يتخذه. هذه التجربة لا تُنقل حرفيًا، لكنها تقدم درسًا واضحًا: قوة الدولة تبدأ من قوة مؤسساتها، وعلى رأسها البرلمان.
البرلمان الجديد أمام لحظة اختبار تاريخية: إما أن يكون اسمًا على مسمي، يطبق الدستور، ويراقب الحكومة، ويشرّع لصالح المواطن والوطن، أو أن يتحول إلى فرصة مهدرة فى زمن لا يحتمل الهدر. المواطن لا ينتظر خطابًا إنشائيًا، بل أداءً جادًا يخفف أعباءه، ويحمى مستقبله، ويمنحه شعورًا بأن صوته لم يذهب سدي. ومن دون برلمان قوي، لن تكون هناك حياة سياسية قوية، ولا قدرة حقيقية على عبور هذه المرحلة المضطربة إقليميا ودوليًّا إلى برّ الأمان.
نرجو للبرلمان فى دور الانعقاد الجديد أن يحقق آمال المواطن، وأن يرعى مصالح البلاد بضمير وطنى وإنسانى يشيع الطمأنينة ويعزز الثقة فى التجربة النيابية.









